التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السلفية .. من سعة المنهج إلى ضيق الحزب


الثورات العربية سمحت للتيارات السلفية بأن تطل على السياسة


عمر علي البدوي


السلفية دخلت إلى ميدان السياسة من أوسع أبوابها وانخرطت في العمل السياسي في بلاد الثورات العربية وعبر أدوات الديمقراطية التي اعتبرت في وقت سابق من التشبه بالكفار وكانت في رأي بعض الشرعيين على الطريقة السلفية حكم بالطاغوت.
اختار بعض سلفيي مصر من أبناء الدعوة السلفية الإسكندرانية أو رموز القاهرة من السلفيين الدخول إلى مضمار السياسة في منافسات ما بعد الثورة بعد التردد في تشريع الفعل الثوري أو الإيمان بنتائجه، وكان مبرر ذلك صد تمدد الأحزاب العلمانية والليبرالية ممن تنوي بالأمة ضراً وشراً من وراء التمكن من مناطق النفوذ والحكم لإزاحة الدين وتفكيك علاقته بالناس، وربما صرّح بعض رموز السلفية أن الديمقراطية أمر واقع لا تثريب من استخدامها تقية وغض الطرف عن انحرافاتها العقدية والشرعية مؤقتاً لتمكين الصالحين من حكم البلاد والانقلاب فيما بعد عليها وبسط الرأي السلفي الشرعي في تسيير البلاد وحفظ مصالح العباد .
ماهية السلفية؟
السلفية منهج إسلامي يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وهم الصحابة والتابعون باعتباره يمثل نهج الإسلام الأصيل والتمسك بأخذ الأحكام من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف.
وفي جانبها الآخر المعاصر تمثل مدرسة من المدارس الفكرية الحركية السنية التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع إلى ما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي بحسب ما يرونه، برزت بمصطلحها هذا على يد أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري، وقام محمد بن عبد الوهاب بإحياء هذا المصطلح من جديد في القرن الثاني عشر الهجري وتسمى (من بعض خصومها) بالحركة الوهابية، من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث عبد العزيز بن باز ومحمد ناصر الألباني ومحمد بن صالح بن عثيمين.
لم تتبرأ السلفية حسب ما ورد في المراجع التاريخية من العمل السياسي بل دعت كما جرت عادة الفقهاء والعلماء إلى إصلاح أنظمة الحكم القائمة بما يتفق مع النظام الإسلامي التقليدي في الحكم ولم تتجاوز ما طرح في كتب الفقه والأحكام السلطانية، ولم يسبق لها المغامرة في العمل السياسي المنظم على شاكلة الأحزاب التي استحدثت من التجربة الغربية، بل وقفت في وجه الفرق التي تحمل ومشاريع سياسية مختلفة تصل أحياناً إلى العنف «الخوارج «وأحياناً أخرى إلى امتلاك نظرية مغايرة ومتحفظة «الإمامة».
ويبدو من القراءة المتأنية لتاريخ السلفية أن التحفظ السياسي يأتي لمبررين اثنين، أحدهما درء الفتنة التي قد تنشب في باحات السياسة وحقن الدماء التي قد تهدر من أجل التقاتل على منصب الحكم ومن هنا جاء التزهيد في تولي أمور المسلمين، وربما بلغ بهم الحرص إلى التسليم بحكم المتغلب لجمع كلمة المسلمين وعدم تفريقهم وانكسار شوكتهم في ظل تربص الأعداء من داخل الأمة أو خارجها .
والآخر يأتي كمبرر أخلاقي لعدم إفساد المرء دينه بالحرص على الدنيا، بل يبلغ التقريع مداه بالوصية إلى العلماء الشرعيين لمجانبة أعتاب السلاطين خشية الفتنة .
رماد الخلافة
كانت كاريزما مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا تشعل الحماس في نفوس العوام للإيمان بمشروعه إلى جانب الحسرة التي عمت جموع المسلمين بإعلان إلغاء الخلافة الإسلامية بكل حمولاتها الدينية والتاريخية للمسلمين.
كانت جماعة الإخوان المسلمين دعوية صرفة مع طموح سياسي واضح وموارب أحياناً حسب ما تقتضيه ظروف البلاد السياسية، وهذا ما يفسر مستوى العلاقة المتذبذبة مع رؤساء مصر المتتالين ويزيد من ضبابية الرؤية لمن هو خارج الجماعة. تحولت الحاكمية إلى مشروع واقعي نفخ فيه سيد قطب إلى جانب أبو الأعلى المودودي روحاً من الحماس والفاعلية بلغة أدبية فائقة التأثير ومعالجة تاريخية منحوتة من بريق الماضي الإسلامي
السرورية السياسة في جسد السلفية
على يد السوري محمد سرور زين العابدين زحفت أدبيات الإخوان بمضامينها السياسية إلى الداخل السعودي واصطدمت بمتانة سلفية متحفظة تجاه العمل السياسي، ولكنها سرعان ما تماهت مع الخصوصية السعودية وأنتجت نشاطاً سياسياً عمل على مشاغلة الحكومة السعودية، وانتهى إلى واقع اجتماعي وفكري شديد الحساسية والاضطراب من جهات متعددة. وتورد موسوعة «ويكبيديا»: السرورية فكر ومنهاج وتنظيم وقد اعترف محمد سرور بوجود تنظيم كان منشأه في السعودية ثم انتشر في بعض دول العالم كما ذكر في برنامج مراجعات في قناة الحوار، السرورية ليست إعادة تأهيل للسلفية الجهادية لأن السرورية ربما تقاطعت مع الجهادية لكونها جمعت بين الحركية والسلفية لكنها تختلف معها في النظر إلى بعض القضايا كالديمقراطية والدولة والحاكم والمحكوم.
وتشهد السرورية مؤخرا تراجعاً داخل السعودية نظراً لأن بعض تلامذة سرور قاموا الآن بتغيير أفكارهم وعارضوا فكرة تسييس الإسلام ورفضوا تأييد العنف كسبيل لمواجهة ما يسمونه بموجة الإلحاد والحداثة ونكاد نشهد نهاية السرورية .
كما كان للسروريين والقطبيين منذ أن تكونوا عام 1392 هـ تقريباً ومعهم بعض الشباب السعوديين أثر كبير في الإخلال بأصل السمع والطاعة الذي هو من أصول معتقد أهل السنة. القضية الأساسية عند الفكر السروري هي مسألة الحكم أو الحاكمية وبهذه المسألة يزِنُون الدعاة والدول. ولذلك كانت شعارات هذا الفكر تحاول الجمع بين السلفية والإخوانية.
الجامية… الأوبة السلفية
خلال حرب الخليج الثانية بلغت السرورية ذروة انفعالها السياسي ونشأ في مقابله تيار سلفي اشتغل على مواجهته ونقض رؤاه الشرعية شاع باسم الجامية.
التيار الجامي هو تيار محلي داخل خريطة الإسلاميين في السعودية يطلق على شعبة من شعب التيار السلفي تتميز بخواص كثيرة أهمها العداء لأي توجه سياسي مناوئ للسلطة انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم جرياً على مذهب الحنابلة والأوزاعي الذين يحرمون الخروج على الحاكم الجائر، وإن خالف في هذا بعض الحنابلة مثل ابن رجب الحنبلي وأبو الوفاء علي بن عقيل وأبو الفرج بن الجوزي وعبد الرحمن بن رزين الذين يرون مشروعية الخروج ناهيك عن أبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حزم الذين يجيزون الخروج على الحكـــام الظلمة.
ورغم أن الجامية تنفي تبني الخط السياسي ولا تهتم له غير أنها تجري في خط التماس بين الشرعي والسياسي بالإغراق في مبدأ الولاء والطاعة لولي الأمر، وكأن الفصل ما بين الدين والسياسة من الصعوبة بمكان سيما في الإسلام الذي يتجاوز الرقائق الدينية والوعظية إلى تنظيم الشؤون العامة وإصلاحها على نحو يستقيم مع مبادئه العامة ونظرته الكلية .
كانت الثورات العربية التي امتدت في خمس دول عربية لحظة حرجة لكل الأحزاب والمناهج التي تعرضت لمواجهة حقيقية مع الواقع، السلفية لم تكن بمنأى عن هذا الحراك سيما في مصر التي تتبنى بعض قياداتها الدينية المنهج السلفي.
تحركت أشواق الإسلاميين إلى الصعود السياسي في فرصة قد لا يكررها التاريخ، ظهر بعض التردد في المشاركة السياسية ولكن التيار جرف البنى السلفية وأضفى عليها كثيراً من التغيير وتبديل المواقف.
شاركت السلفية في الانتخابات المصرية وحازت مرتبة متقدمة من النتائج النهائية وأعلنت تحالفها مع الإخوان، وكأنها أسلمتها يمين السياسة وحافظت على مرتكزاتها الدينية والاجتماعية، لم يدم هذا الزواج وسرعان ما ضج خبر الانفصال.
في الخليج ظهر صوت السرورية الخافت وأسمعت أفراحه آذان النائمين من الحكومات والشرعيين المتحفظين. السلفية السعودية اختلفت عن السلفية المصرية اختلافاً واسعا بعد الثورة من حيث المناهج السياسية لكن بقي رباط العقائد يجمعهم إلى جانب رغبتهم في الوصول إلى تطبيق منهج السلف بحذافيره.
تعتبر السعودية الحاضن السياسي لمنهج السلفية، وأعلنت هذا على لسان ولي العهد آنذاك الأمير نايف بن عبد العزيز الذي عرف بمواجهته مع التيار السلفي الجهادي، واتهمت السعودية أنها تتخذ من السلفية حصناً ضد موجات الإخوان الذين تولوا زمام البلاد الثائرة.
ولكن فيما يبدو أن السلفية كمنهج لدولة ما تختلف عن كونها برنامجاً لحزب سياسي آخر، إذ دُفعت السلفية إلى ميدان السياسة عبر من يتبناها منهجاً للمنافسة على منصب الحاكم رغم التباينات التي تصل إلى درجة الاحتراب مع الأدبيات السياسية الطارئة على بلدان الثورات العربية .فيما يأتي ربما تتعرض السلفية إلى كثير من التبديل تصل بها إلى الخروج عن منهجها، ومن جانب آخر ربما دفعت تحولات السلفيين في تجاربهم السياسية إلى التأثير على السلفيات المتحفظة التي بقيت معتصمة بفكرة المنهج دون الانضواء تحت قبة الحزب السياسي.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

حضارات العالم تجتمع على رأس جبل سعودي في «قصر المقر»

أبها – عمر البدوي   توفي والده قبل أن يتعرف عليه، وتولى تربيته أخوه، ست سنوات كان يحتاجها محمد الشهري ليقتنع بأنه لا يستطيع تجاوز الصف الأول، أو ينجح في دراسته ليتجه إلى رعي أغنام وأبقار أفراد قريته. إلا أنه «لما استحكمت حلقاتها فرجت»، إذ ذهب ابن الجنوب إلى تبوك (شمال السعودية) والتحق بالقطاع العسكري، وأكمل دراسته حتى بلغ الثانوية، وتعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعاد ضابطاً في القوات المسلحة. وأصبح بمقدوره الآن تحقيق حلمه، وزار أكثر بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ورأى الحضارات الإسلامية والعالمية وأعجب بها. هذا نصف قصة نجاح الضابط المتقاعد محمد المقر الشهري، أما النصف الآخر فهي الفكرة التي نمت في مخيلته أثناء زياراته، وأصبحت واقعاً مذهلاً في قريته، ولكن للقصة بداية مختلفة وآسرة. فلأنه فقد والده قبل أن يتعرف عليه سوى من سمعته الطيبة ووجاهته المعروفة لدى أهل قريته، ما زاد تعلقه به، عثر على رسالة مخطوطة بيد والده فيها دعاء، وكانت سبباً في تعزيز تلك الفكرة التي ترعرت إثر سفره وإعجابه بالتاريخ والحضارات، وبدأ في جمع كل ما يقع تحت يد...