التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وجه الموت الجميل

هو الحقيقة التي عجز العالم أن يقف في وجهها ، حتى أطباء الدنيا وأرباب العلم الذين اعتصموا بقوته واتكلوا عليه لم يجدوا بداً من شرب كأسه .
وما إن يلم ببشر ويقع على مخلوق إلا وقد تلبدت سماء أهله وذويه بغيوم سوداء ، وتضيق نفوسهم وتضج صدورهم بهذا القضاء الحاصل والموت النازل .
ولكن ..
أتصدقون أن الفأل أحياناً قد يبلغ من المرء مبلغاً تنظر به للموت على أنه وجه حسن ، أظن أن بصاحبكم من جنّة .
لا يرزق المرء منذ أن تبصر عيناه نور الدنيا بيوم يتجلى فيه صدق
أحبته وحسن سريرتهم بمثل ذلك اليوم ، ألا ترى تلك الدموع التي انهالت ألماً على فقد حبيبهم ولا حاجة لمراء أو كذب وهو مغمض الجفنين لا يعبأ بباك ولا شاكي .
وربما دام ذلك الوفاء حتى بعد وفاته بأمداء ، حيث يلحقه دعائهم وترحمهم واستغفارهم له في الأسحار وما هو أعظم من ذلك من أجر الصدقات والأعطيات التي تبذل من نفقته أو على نيته .
ألا يحق أن يذكر الموت بالجميل والخير وقد أسهم في تنقيه الناس من منهم ذهب أو نحاس .
ويأتي الموت أحياناً راحة من كل شر فقد كان النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – يدعو بمثل ذلك ويرجو ربه أن يكون الموت كفاية له من كل مكروه وحائلاً دون شر أو نكال .
فكم من موجع أرهقته أنات الوجع وأبكته آلام المرض وهو يجهش ببكائه وينوح بصوته الذي يشق دلجة الليالي ولم يهنأ حينها بنوم ولا راحة ، حتى يجيء الموت وينسل روحه من جسده المرهق ويخلصه من هذا العذاب ويكون راحته من ذلك الألم الكريه .
وكم أغمض الموت جفني أم لم يمنحها الوقت لترى ظلمة الليال وعقوق العيال وأمات شيخاً قبل أن يزوره الخرف ويعش أرذل العمر فيكون عالة على الناس هواناً على نفسه .
ألا يحق أن يذكر الموت بالجميل والخير وقد كان محرراً للموجعين من ربقة الألم وحصناً للمسنين من فوات العقل ولتلك المسكينة من عسف الأيام .
 بل تعالوا إلى موت تتوق إليه الأفئدة وتتهافت إليه النفوس ، تعالوا إلى حيث الشهادة في سبيل الله .
مظنة المجاهدين ومطلب السائرين إلى باب الله – عز وجل – وقد ضحوا بدمائهم من أجل العقيدة وباعوا أنفسهم لله وقد ربحت تجارتهم وأغلى ما يتمنون الموت وهم صادقون .
موت جميل ذلك الذي يناله أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، حينما تغادر أرواحهم الطاهرة أجسادهم التي يفوح منها عبق الشهادة الزاكي ، ونور براق يضيء وجوههم الخالدة وابتسامة عريضة ترتسم على محياهم ، أترى أن ذلك ذاهب إلى موت بائس ، لا والله ، إنما إلى حياة ونعم الحياة تلك .
ألا يحق أن يذكر الموت بالجميل والخير والشهيد يستقبله بابتسامة عريضة أضاءت ثغره وقد نال مبلغ أمانيه .

صدقتم الآن ، أن الفأل قد يبلغ أحياناً أن تنظر للموت على أنه ذو وجه جميل .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

تمجيد صدام حسين المجيد

كان يمكن للقصة الشهيرة التي تداولها عامة العرب عن صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مطبوعة في كبد القمر أن تكون مجرد مزحة عابرة تذوب مثل قطعة ثلج أو تتبخر مثل بؤرة ماء، ولكن القصة المختلقة التي شاعت عشية تنفيذ حكم الإعدام في حقه من قبل الحكومة العراقية بعد إسقاط نظامه وتفكيك الدولة العراقية نتيجة حرب خاضها حلف دولي تقوده الولايات المتحدة، تمكنت في أذهان جيل بأكمله وتطورت إلى أشكال متجذرة لترميز الرئيس العراقي المخلوع. أصبح صدام ذا شعبية أكبر لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي، فبإمكانك أن تلاحظ حجم الصور التي تنتشر له والأقوال المختلقة في محاولة لاستنطاقه بما يتمناه الشاب العربي من خطاب مشبع بالأنفة والاعتزاز ضد غطرسة الجانب الغربي من العالم أو الطائفة الشقيقة للغالبية السنية في الشرق الأوسط. لا تبدو سيرة صدام حسين مثيرة للإعجاب في التاريخ، فهو مجرد حاكم عربي عسكري يشبه أترابه ممن يقبض على سدة حكم الجمهوريات العربية المرتبكة في تقديم هوية سياسية ونظام حكم متماسك، يضاف إليه بطش أهوج وديكتاتورية مطبوعة بنزقه الشخصي وجنون العظمة الذي أودى بمستقبل العراق وشعبه في جملة من المغا...