التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قناة العربية .. سقطة الحياد

انطلقت في نفس العام التي نوت فيه الولايات المتحدة غزو العراق ضمن مشروعها " الشرق الأوسط الجديد " وكأنها تولت منذ انطلاقها الترويج لهذا المشروع الكوني الذي يحارب الإرهاب كتحد إنساني ويقسم دول العالم إلى محوري الشر والاعتدال .
العربية تقود حرباً  إعلامية شرسة ضد محور الشر وتدعم كل قوى الاعتدال التي أخذت سبيل التفاوض طريقاً لإرساء السلام وإسقاط امبراطوريات الإرهاب والتشدد وتزيح عن طريق السلام كل قوى الممانعة والمقاومة .

ولكنها تكف لسان النقد ولا تطول بيدها عروش المال والأيدلوجيات التي تستجيب لشروط المشروع الأمريكي الجديد حتى لو كان هذا يخالف الشعور العروبي والإسلامي للشعوب التي تخاطبها هذه القناة .
يخيل إليك وأنت تشاهد هذه القناة أنك تتصفح جريدة سعودية محلية تستخدم لغة سائدة وخطاً تقليدياً ولا تكاد تجد لغة نقد لاذعة للداخل سوى الشجب والاستهزاء بتصرفات جهاز الهيئة الديني بشكل مكرور وممجوج .

تأتي الذكرى العاشرة لهجمات الحادي عشر من سبتمر وتبدأ العربية في مهرجان تأبيني وحشد كل ساعات البث لصناعة حالة بكائية لهذه الصدمة العالمية التي تحولت إلى مبرر سياسي وثقافي لتصرفات أمريكا العنجهية بينما تتجاهل بشكل واضح فعلة الكيان الصهيوني في غزة " الحماسية " .
حرب غزة التي كشفت حدة توجهات القناة نحو مشروع سياسي لا يقبل بكيان الحركة الإسلامية " حماس " لأنها تعيق مشروع الشرق الأوسط الجديد .

وعندما كشفت الجزيرة القطرية وثائق ويكيليكس التي تفضح هزالة موقف فتح في المفاوضات مع اسرائيل متمثلة في كبير مفاوضيها صائب عريقات بمباركة من المظفر محمود عباس ، سارعت العربية إلى تبني موقف توضيحي لاستدراك الموقف وإنقاذهم من الحرج وإفشال محاولة الجزيرة إجهاض خط المفاوضات أو الانتصار لخيار حماس المقاوم .

وكم تبدو " المبالغة " واضحة إلى حد يستخف بعقل المشاهد عندما تتناول العربية تفاصيل شاذة في نقد النظام الإيراني وتلاحق الأخطاء الجسيمة والأقل من بسيطة لوصم النظام بالاستبدادي والفاسد ومعاناته من حالة انفصام ديني وسياسي وتخلف اجتماعي واقتصادي حتى لو استجدت الكذب والتلفيق أحياناً .

مرة أخرى في الثورات العربية تشن الجزيرة حملتها القديمة على خصمها التقليدي " نظام حسني مبارك " وتقع العربية في حيرة من أمرها أمام ثورة قد تنجح بعد طامة بن علي أو مناصرة النظام الذي يعتبر حجر الزاوية في مشروع السلام الأمريكي .
بعد السقوط السريع لم تصرف العربية ساعاتها الثمينة في التشنيع على الإرث المتعفن الذي تركه مبارك كما فعلت أيام سقوط صدام - الظالم بالتأكيد - ربما لتبرير الهجمة الأمريكية دون رعاية لمشاعر العرب والعراقيين .

حافظ الميرازي الإعلامي المصري الذي انضم مؤخراً أوقع القناة في حرج شديد عندما أراد تجاوز حدوده وتخطي الشخصية التحريرية للقناة ونقد السياسيات السعودية لكنه لم يطل مرة أخرى من بوابة العربية .

تاريخ من السقطات التي أوقعت العربية في فخ الانحياز الكامل لرؤية سياسية بشكل فضيع يخل بالحياد والموضوعية ، وهذا لا يبرئ الجزيرة التي افتضحت بوثائق ويكيليكس نفسها عندما أراد وزير خارجية قطر استخدامها كورقة ضغط على الرئيس المصري المخلوع .

كما أنها استجابت لمطالب عليا عندما غيّبت ثورة الشعب البحريني العادلة بعض الشيء ولكنها قدمت بديلاً فذاً عبر قناتها الإنجليزية في فيلم وثائقي أقل ما يقال عنه أنه " مهني ورائع " .
ولا يغيب عن الذهن كيف انقلب الحال بقناة الجزيرة فجأة وخففت من حدة الانتقاد للحكومات الخليجية وسلكت طريقاً فيه من التغافل والتصامت الكثير .

في ظل الاعلام الالكتروني المفتوح والشبكات الاجتماعية الجماهيرية يضيق الخناق بمثل هذه المحطات التي تخسر أتباعها مع كل محك تصنعه الأحداث السياسية الجسيمة التي تصنعها شعوب المنطقة .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

تمجيد صدام حسين المجيد

كان يمكن للقصة الشهيرة التي تداولها عامة العرب عن صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مطبوعة في كبد القمر أن تكون مجرد مزحة عابرة تذوب مثل قطعة ثلج أو تتبخر مثل بؤرة ماء، ولكن القصة المختلقة التي شاعت عشية تنفيذ حكم الإعدام في حقه من قبل الحكومة العراقية بعد إسقاط نظامه وتفكيك الدولة العراقية نتيجة حرب خاضها حلف دولي تقوده الولايات المتحدة، تمكنت في أذهان جيل بأكمله وتطورت إلى أشكال متجذرة لترميز الرئيس العراقي المخلوع. أصبح صدام ذا شعبية أكبر لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي، فبإمكانك أن تلاحظ حجم الصور التي تنتشر له والأقوال المختلقة في محاولة لاستنطاقه بما يتمناه الشاب العربي من خطاب مشبع بالأنفة والاعتزاز ضد غطرسة الجانب الغربي من العالم أو الطائفة الشقيقة للغالبية السنية في الشرق الأوسط. لا تبدو سيرة صدام حسين مثيرة للإعجاب في التاريخ، فهو مجرد حاكم عربي عسكري يشبه أترابه ممن يقبض على سدة حكم الجمهوريات العربية المرتبكة في تقديم هوية سياسية ونظام حكم متماسك، يضاف إليه بطش أهوج وديكتاتورية مطبوعة بنزقه الشخصي وجنون العظمة الذي أودى بمستقبل العراق وشعبه في جملة من المغا...