التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أهازيج أسواق «حلي»: «فطورك يا صائم» «شفوتك لا يفوتك»


القنفذة - عمر البدوي
الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠١٣

في قرية كياد الواجهة التجارية لمركز وادي حلي التابع لمحافظة القنفذة، ما زال أهلها يحافظون على عادتهم التجارية القديمة التي انطلقت منذ عشرات الأعوام وما زالت، إذ يضع كل تاجر بسيط وقبل بداية الشهر الكريم طاولته المتواضعة في ناحية من السوق الشعبي الموسمي الذي لا تقوم قائمته إلا في الشهر التاسع من كل عام، إذ يوفر على أهل القرية عناء البحث ومشقة التبضع بعيداً عن مواطن أهلهم ومحال سكنهم. الأمر نفسه بالنسبة لكثير من قرى وادي حلي التي كانت تمتلك سوقاً رمضانياً شعبياً تجتمع فيه البضائع المخفضة والمطالب المخصصة لاستقبال الشهر الفضيل، مثل علب العصير بمذاقه الفريد الآتية من أسواق جدة القديمة والتونة والشوربة والمكرونة التي تزدحم على طاولات السوق وقد جلبت من أسواق جازان واليمن ومكة المكرمة وسواها من مدن المملكة التجارية الكبرى.
يجول الباعة المتخففون من حمل الطاولات الثابتة ويتناول الصغار المتخفون عن أعين الكبار شرائح البطاطس المهروسة وينتشر الزبائن على أطراف السوق وحول الطاولات، بينما ينادي أصحاب البضائع بشعاراتهم التسويقية التقليدية: «فطورك يا صائم»، «شفوتك لا يفوتك».
الأسواق الرمضانية الشعبية التي تنتشر في أطراف محافظة القنفذة وفي أريافها تقام في ساحة موسمية تخلو طوال العام إلا أيام رمضان الـ30 إذ تتحول إلى مهرجان اجتماعي وتجاري ضخم، يشغل طاولات البيع عادة أهل القرية ممن يقل دخلهم الثابت أو يكثر فيستغلون ذلك لزيادته أو توفير حاجات القرية بمبرر اقتصادي خافت أو من العوائل التي اشتهرت بصنعة معينة ومهنة راسخة في تاريخهم العائلي. فقرى الريف الجنوبي تعوض اكتفاء المدن بتكافل السكان الاجتماعي في النواحي التجارية والاقتصادية والتموينية كافة.
يشير إبراهيم علي في حديثه عن اشتغال والده قديماً ببيع قوالب الثلج بعد أن اكتشف حاجة الناس إلى ذلك خصوصاً في شهر رمضان إذ يكثر الطلب ويتزايد على قطع الثلج المجمد، وعلى رغم أن والده يعمل مدرساً نظامياً إلا أن ذلك لم يمنعه من امتهان هذا العمل في ظل توافر الإمكانات المادية والمواصلات بخلاف بقية أهالي قريته الذين يعيشون حياة الكفاف والتواضع.
تقع قرى وادي حلي والقوز على جانب ساحل البحر الأحمر وعلى مقربة من سلسلة جبال السروات في الجزء التهامي السهلي منها، ويعتبر الخمير «حب الدخن» من أكثر الأكلات شعبية لديهم، الذي يصبح بعادته وخلال ليالي شهر رمضان المبارك وجبة أساسية تقوم مقام الأصناف التي تكثر وتشيع هذه الأيام.
وفي سبيل توفير كميات كافية من حب الدخن المطحون لـ30 يوماً هي عدة شهر رمضان، تقوم ربات البيوت بالاستعداد لذلك بطحن الحب بطريقة يدوية خلال شعبان كاملاً بما يعطي فرصة كافية لتخميره وجعله جاهزاً للاستخدام، إلا أن ذلك تغيّر كثيراً هذه الأيام بعد زحف الأغذية الحديثة والمعلبة إلى السُفر الرمضانية التهامية.


الرابط : http://alhayat.com/Details/532988

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

حضارات العالم تجتمع على رأس جبل سعودي في «قصر المقر»

أبها – عمر البدوي   توفي والده قبل أن يتعرف عليه، وتولى تربيته أخوه، ست سنوات كان يحتاجها محمد الشهري ليقتنع بأنه لا يستطيع تجاوز الصف الأول، أو ينجح في دراسته ليتجه إلى رعي أغنام وأبقار أفراد قريته. إلا أنه «لما استحكمت حلقاتها فرجت»، إذ ذهب ابن الجنوب إلى تبوك (شمال السعودية) والتحق بالقطاع العسكري، وأكمل دراسته حتى بلغ الثانوية، وتعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعاد ضابطاً في القوات المسلحة. وأصبح بمقدوره الآن تحقيق حلمه، وزار أكثر بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ورأى الحضارات الإسلامية والعالمية وأعجب بها. هذا نصف قصة نجاح الضابط المتقاعد محمد المقر الشهري، أما النصف الآخر فهي الفكرة التي نمت في مخيلته أثناء زياراته، وأصبحت واقعاً مذهلاً في قريته، ولكن للقصة بداية مختلفة وآسرة. فلأنه فقد والده قبل أن يتعرف عليه سوى من سمعته الطيبة ووجاهته المعروفة لدى أهل قريته، ما زاد تعلقه به، عثر على رسالة مخطوطة بيد والده فيها دعاء، وكانت سبباً في تعزيز تلك الفكرة التي ترعرت إثر سفره وإعجابه بالتاريخ والحضارات، وبدأ في جمع كل ما يقع تحت يد...