قدّر لي اليوم زيارة رجال أربعة في مواقع أربع ، تجمعني بهم عرى واثقة من الصداقة وعلاقات ضاربة العراقة ، غيبتهم الحياة على وجوه مختلفة ، فما عدنا نراهم ولا نخالطهم ولا يجمعنا بهم إلا الصدف أو النية في زيارتهم على مهل وتناء في الأوقات والأماكن . بعد صلاة العصر جمعت نفسي على إتيان سجن المدينة المركزي ، الذي لم يسبق لي زيارته إلا لماماً بغرض الاطمئنان على من نعرف ممن احتبستهم الفاقة أو المطل بالحقوق أو اجترأت نفوسهم على مواتاة الحرام . عند البوابة تجردنا من كل ممتلكاتنا ، تبدو البنايات متجهمة ولا يرطبها سوى ابتسامات الحراس الذين يتكلفون التفتيش والغلظة في التعامل لما تقتضيه شروط العمل وأوامر القيادة ، بدأنا نقطع العنابر والغرف على جانبيها لبلوغ العنبر الذي يضم جسد صديقنا وروحه المنهكة من طول الحبس . وصلنا إليه أخيراً ، كدت أنسى ملامح وجهه أو أستغرب ما طرأ عليها من ذبول وهزال ، عيناه مغروقرتان بالدمع ، وحديثه ينبس عن بكاء جاهش مهموس ووجدان يقطر بالأسى والتأنيب وضمير يحترق من فوات الزمان على شبابه الغض وهو يراه يتناقص بسرعة مذهلة ، سبع سنوات وهو حبيس هذا البنيان المصمت الذي يحافظ على...
مجموعة من المقالات والخواطر يكتبها عمر علي البدوي ( تويتر : omar_albadwi )