التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

ليان بنت عدنان

للتو غادرت الغرفة رقم ( 477 ) التي يتمدد فيها جسد الطفلة المكلومة ليان بنت عدنان . وجدناها تغط في نوم عميق ، تغيب فيه بعض وخزات هذا الخبيث الذي ينتشر في جسدها الطاهر ،*يدها اليمنى مقبوضة إذ يبدو أن آخر صرعات الألم كانت قاسية حد الإغماءة . الأجهزة الطبية تنتشر في الغرفة وتذيع أصوات الرنين والطنين المؤذية ، بينما أنبوبات الدواء والغذاء تخترق منحرها ومنخرها . ليان لا تعرف للألم معنى ! ولا تدري ما هذا الذي يجعلها حبيسة هذه الغرفة الكريهة وأرتال النساء يتوافدن عليها ، تفهم فقط أنها ليست على حال طيبة والدليل دموع والدتها المسكينة . يا ليان : إن الألم بعض من قسوة هذه الحياة ، شيء من عصارتها القذرة ، يا ليان : لن أحدثك عن الصبر إنه مما يفعله الكبار ولا تقوى عليه صدورهم . سمعت أن ليان ذبيحة عين شيطانية لم تذكر الله ، تدفعها نفس حقيرة متحفزة للشر ، ضاقت بجمال تلك الصبية المشرقة وأرادت أن تخفت ضوءها والله متمٌ نوره ولو كره العائنون . ما زلت أذكر تلك اليد الغضّة التي تلوح بها إلى جانب ابتسامة بريئة بينما أقصد مسجد القرية ، أتذكرها تمازحني وهي تطل برأسها وتختبئ به ثانية خلف بابها ، أتذكر...

اشعر بوجودك

عظيم هذا الإنسان إلى درجة يجعل من كل هذا الكون مرتبطاً بوجوده مرتهناً بإشارته ، مثل حاكم يأمر أمة أو مفكر يصوغ حضارة ويصبغ حقبة برمتها ، وهو سخيف إلى درجة تدفعه إلى افتعال الحماقات واستغلال أتفه المواقف ليشعر بوجوده مثل صنيع الهُبْل من طلاب الشهرة والشذاذ أصحاب الغرائب . بالنسبة لي لمحت شيئاً يزداد كل لحظة إلى مرحلة اليقين ، كل الأشخاص الذين يتمسكون بك إنما يتشبعون من عطائك المعنوي اللامحدود ، الأشخاص الإيجابيون الذين يشعون بالألفاظ الحسنة ويسوقون عبارات الإطراء والتشجيع والتحفيز يظفرون بدرجة قبول عالية ويكتسبون شبكة علاقات اجتماعية واسعة ويمتلكون أزمّة القلوب ومفاتيح الصدور . أن تُشعر شخصاً باهتمامك به ، إذاً تشكل جزءاً من وجوده الحقيقي ، سترتقي بالنسبة إليه إلى درجة الُملهم ، سيقاتل من أجل الحفاظ عليك والحقيقة أنه يدافع عن حصون نفسه المنيعة ومعاقل حضوره الحسي والمعنوي . بعض الناس يستمد وجوده من الأشياء ، تجده يغالي إلى مستوى التطرف في التجمل والتأنق وشراء الكماليات وتحرّي الغالي والثمين والتباهي بها ، لأنه ارتبط وجودياً بها إلى مرحلة يعد الانفصال عنها قرار انتحار وإ...

رمضان للتغيير

الجميع يطلب التغيير في هذا الزمن الحديث لأن البشرية بلغت قناعة تقول أن تحسين مستوى معيشتها وتطوير إمكانات حياتها يقف على قرار بالتغيير في العادات أو الأساليب أو الأنظمة وقبل هذا وذاك تغيير جذري وإيجابي للتصورات والقناعات . بيت القصيد ليس الرغبة في التغيير ، إذ لا يشعر مخلوق بضد ذلك ولا يمانع فيه سيما إذا أدرك حجم الفوائد والعوائد الإيجابية التي سيحققها هذا الفعل التغييري الهام ، إنما الشأن دفع فاتورة التغيير والاستعداد لتكاليفه الباهظة ومتطلباته الشاقة . والخير كل الخير لمن استعد لذلك وعقد العزم على تحمل مسؤولية التغيير ، لأنه قيمة تتطلب ثمناً باهضاً ونتيجة حقيقية لحزمة سلوكيات التغيير الذي ينتهجها الإنسان . في رمضان الشهر الأكثر قدسية لدى المسلمين يبدو وكأن الكون يتغير في تضاريسه وملامحه ويستجيب له البشر المسلم في سلوكهم وعاداتهم ، وقد طرى على بعض معاني هذا الشهر الفضيل تحول باتجاه السلوك الرأسمالي الاستهلاكي التجاري ، ولكن بقيت كثيرٌ من معانيه الأصيلة وملامح الفضيلة باقية ما دامت هذه الأمة معقود في نواصيها الخير وفي اجتماعها البركة والفضل . في رمضان تنساق النفوس والقلوب بروحا...

أزمة السلفية

لا أميل لفوز السلفيين بالانتخابات العربية ، إذ هم في حاجة إلى مراجعة قاسية لبنائهم السياسي . السلفية تملك أكثر قدرة تبريرية لمظالم الحكام باسم عصمة الدم والحفاظ على الاستقرار وخشية الفتنة . كما أن تعاملهم مع " الآخر " يتسم بكثير من الحدية والحساسية في ظل اتجاه عالمي نحو التعدد وتقبل المباينين . ويتمحور السلفيون في سعيهم السياسي على أساس " الحفاظ على العقيدة " ويهمشون جوانب التنمية ووفرة المعيشة وترقية حياة الإنسان . بالتالي هم في حاجة ماسة إلى تطوير " مبادئهم السياسية " قبل أن يستجيبوا للآليات والأنظمة التنظيمية والديمقراطية . لا شك أن السلفيين أكثرهم عدالة ونزاهة بحكم النظام التربوي والتعبدي ولكن الطباع الحسنة لا تكفي لإدارة دولة . السياسة تدار بشكل براغماتي وتقوم على حفظ المصلحة واللعب على وتر التنازلات والمقايضات وهذا ما يخدش في ديانة المرء . صحيح أن إدارة الدولة من الداخل تحتاج إلى كثير من الصدق والتعفف وهذا ما يمتاز به السلفيون ، ولكن كيف هو الحال مع المناطق المتقاطعة مثل الأقليات وحرية التعبد والفنون والتفكير الحر وملفات السياحة وغيرها . ...

كيف تأخرت الدعوة عندنا ؟

لا أحسب أنني خير من يتكلم في هذا الشأن ، ولا أولى الناس به ، فهو مضمار ضخم ينخرط فيه عموم الرجال التي تبنت هذا الهم المقدس والعمل المعظم وقد امتدح الله سبحانه أهله في نص كتابه الكريم . لقد بدى لي بعد عمر متواضع في الدعوة أن عموم العاملين في منطقتنا يغيب عنهم المعنى الحقيقي لمهمتهم الربانية ، لقد احتكروا مشروعهم في تخريج مجموعة من " المطاوعة " يسيرون سيرتهم في المجتمع ، ينقطعون عن العامة ولا يتماهون في داخلهم في سبيل الحفاظ على عذرية تدينهم أن تتلطخ بمساوئ الخلطة وتتكدر بشائبة الحياة العامة . لقد نسوا أن الإسلام رسالة عامة ، جاء ليبني الإنسان بكل حاجاته ومكوناته ويستجيب لرغباته كما يستحثه لغاياته ، وتمثّل فيه الدعوة " النظام التربوي " أو الفلسفة الاجتماعية . بمعنى : أن الدعوة هي أكبر نقطة التقاء بين الفكرة الإسلامية والمجتمع ، حينها لا قيمة للعزلة والتمترس وراء أستار التدين ، حتى أصبحت أكبر أهداف الدعوة في حلي " كسر حاجز القطيعة بين المؤسسة الدعوية والمجتمع سيما الشباب " . ولأن فهمهم للدعوة توقف عند تمتين الجانب الديني لدى الإنسان . ذهب مجمل جهده...

مستقبل الثقافة في حلي

مما يؤسف له أن مصطلح " الثقافة " لا يتداول في أوساطنا بشكل صحي وحقيقي وهذا يجد ما يبرره في ظل مستوى الوعي لدى مجتمعنا الريفي الذي تسيطر عليها ثقافة البداوة والقبيلة والمصلحة الراهنة . إذ يعتبر الحديث عن الثقافة بنفس دلالاتها الأدبية والعلمية ضرب من " الترف " في تفكير الجادين وضرب من " التفلسافة " الممجوجة في تفكير العاديين . لا يمكن تطوير الثقافة إلا إذا كانت جزءاً وظيفياً من حياة المجتمع ، وإذا طالعت أشكال الوظائف التي ينتشر فيها أبناء حلي ستجدهم يتراكمون في السلك العسكري بكل عاهاته الثقافية وفي سلك التعليم المتهافت إذ لا يخفى عليكم حالة التعليم على مستوى المملكة فضلاً عن حلي . بقي أن تصبح الثقافة " هواية معظمة " لدى قطاع الموهوبين والمبدعين ، وهنا يشتعل حماس المبتدئ ثم يبرد عند تكاثف أشغال الحياة حتى يغرق في دوامة تنتهي به إلى قبر موهبته وانطفاء جذوتها . ثمة تحديان محوريان لدى المثقف في حلي : حجم التفاعل على المدى المحلي ( الوطن ) وفي المدى الكوني ( خارج الوطن ) وهذا يضمن للمثقف توسيع مداركه واهتمامه وتجويد قلمه واكتسابه صبغة احترافي...

أنا الإنسان !

أحاول دائماً تفكيك هذا السر " الحياة " أحياناً كثيرة أعجز ولا أقوى على ذلك ، وأخرى تذهلني الحقيقة . يمارس القدر لعبته في الخفاء مستغفلاً عقولنا التي تمارس التذاكي حيناً فتقع في قبضة الذهول والتغابي حيناً آخر فتسجن في زنزانة القلق . أهبط إلى ما دون مثاليتي أعيش كما الحيوان بين آلامه السطحية وأوجاعه الداخلية ، أغرق في لذاذاتي ، لا أهتم كثيراً لسؤال الوجود القلق ولا ألتفت لنداءات الحياة الجادة وهتافات الأسئلة الحائرة ، أبتعد كثيراً عن نموذج " الإنسان الحقيقي " . ثم تشتعل حرقة موارة وينزع بي الطموح إلى التعالي عن هذا المحيط المسف ، أستعيد توازني وأستجيب لطموحي الراغب في التغيير والارتقاء ، أتخفف من وطأة النزوات والشهوات ، وأتسامى إلى عوالم المعرفة والنور والإيمان . ثمة عالم غيبي يدير هذه الحياة يقع في اللامرئي ويسكن في ما بعد المشاهدة ، يحافظ على موقعه العلوي حتى يكون أقدر على الحكم والعدل والنصفة ، ولكنه لم يترك الحياة خواء من التصرف ولا البشر مسلوبي الإرادة ولا الكون منزوعاً من التمكين . بل هيأ له سعة من الحرية كفيلة باتزان سيره ، وقدراً من الاختيار تضمن ...