التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

تصحيح المفهوم التعبدي

على أعتاب رمضان ( 1 ) اليوم ننتظر هذا الشهر المبارك والله نسأل أن يقدّرنا على قيام لياليه وصيام نهاراته فلا شأن للمسلم غير العبادة وإن كان ذلك ديدنه مذ يبلغ ويعقل ويأتي تحت طائلة التكليف حتى يدنو أجله وتحين ساعة مغادرته . إلا أن الطلب يشتد في لياليه والباعث إليها في زيادة ، سيما والأجر مضاعف والكون كله مقبل على الله متجه نحو السماء يطلب العفو والغفران ويطهّر ما دنسته الليالي وملأته خبثاً وذنوباً طيلة العام . غير أن كثيراً من الناس يسلقون عباداتهم سلقاً أو كما قال النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم - : " ينقرونها كنقر الغراب " دون التفات إلى روحها وحقيقتها وقد وأدت في قبور العجلة والسرعة وكفنت برداء المشاغل والارتباطات ، هكذا وكأن الصلاة أو الصوم محطات لا ينالك منها غير تضييع وقت ومهمات افترضها الروتين . لا بد أن تشوهات اعترت مفهوم العبادة لدى هؤلاء دعتهم لأداء هذه العبادات الجليلة بهذه الصورة المغلوطة وقد سلخوا منها أهم معانيها ونالوا من روحها مما حوّلها إلى خواء لا شية فيها . البعض منّا ظن أنها ضرب من العادات تناقلتها أجيال عن أجيال وداوم عليها الأجداد قبل الآباء وتجعل م...

وجه الموت الجميل

هو الحقيقة التي عجز العالم أن يقف في وجهها ، حتى أطباء الدنيا وأرباب العلم الذين اعتصموا بقوته واتكلوا عليه لم يجدوا بداً من شرب كأسه . وما إن يلم ببشر ويقع على مخلوق إلا وقد تلبدت سماء أهله وذويه بغيوم سوداء ، وتضيق نفوسهم وتضج صدورهم بهذا القضاء الحاصل والموت النازل . ولكن .. أتصدقون أن الفأل أحياناً قد يبلغ من المرء مبلغاً تنظر به للموت على أنه وجه حسن ، أظن أن بصاحبكم من جنّة . لا يرزق المرء منذ أن تبصر عيناه نور الدنيا بيوم يتجلى فيه صدق أحبته وحسن سريرتهم بمثل ذلك اليوم ، ألا ترى تلك الدموع التي انهالت ألماً على فقد حبيبهم ولا حاجة لمراء أو كذب وهو مغمض الجفنين لا يعبأ بباك ولا شاكي . وربما دام ذلك الوفاء حتى بعد وفاته بأمداء ، حيث يلحقه دعائهم وترحمهم واستغفارهم له في الأسحار وما هو أعظم من ذلك من أجر الصدقات والأعطيات التي تبذل من نفقته أو على نيته . ألا يحق أن يذكر الموت بالجميل والخير وقد أسهم في تنقيه الناس من منهم ذهب أو نحاس . ويأتي الموت أحياناً راحة من كل شر فقد كان النبي الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – يدعو بمثل ذلك ويرجو ربه أن يكون الموت كفاية له من كل مكروه وحائل...

صيف في بلادي

ها قد أقبلت علينا إجازة هذا العام بغضها وغضيضها ، وبدأ الناس في حزم الأمتعة ومدّ الأشرعة للسفر وقضاء الإجازة بعد عام كامل من العمل والبذل . انطلاقة عائلتنا بخير ما يبدأ به " مكة المكرمة " بيت الله الحرام ومسقط نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم - . أربع مئة كيلاً كانت الفاصل عن تلك المحطة الإيمانية نحط بها رحالنا ونرخي سدولنا ونترجل عن ظهر فرس الأيام الذي يشق سنوات عمرنا نحو الأمام حيث الوعود الموعود واليوم المشهود . محطة تستوقفنا لنتزود منها بوقود العبادة وإكسير الإيمان لنقضي به ما بقي من أعمارنا التي تحترق أمام أعيننا . وهناك .. حيث وصلنا مشاهد إيمانية تحف المكان ورهبة المحبة والرجاء تعج في آفاق النفوس وبواطنها ، أكوام الناس تتدافع مقبلة على الله ، ودموع المذنبين والمخطئين تنهمر عسى أن تغسل دنس الليالي وخبث الأيام . وأصوات الهاجعين في الأسحار والمتعبدين بالنهار تتداعى إلى الآذان كضجيج النحل المقبل على ملكته يحفها بحبه ويتوسدها بالطاعة والولاء وأدنى ما يرجو رضاها عنه وقربه منها . وما إن انتهت أيام النزول في مكة – حسب ما جاء في الخطة – غفلنا راجعين وقلوبنا يملؤها الأسى والحزن ...

المريخ والزهرة

لقد احتدم الصراع هذه الأيام بين قطبي الحياة الإنسية ( المرأة والرجل ) وأصبح الاقتتال في الميادين الإعلامية والثقافية والفكرية مرتفع الوتيرة ، وفاقت حدة الاحتراب بينهما أن زاحم كل منهما الآخر في مجاله الخاص وإطاره الحياتي المعني به . وللأسف فالساحة العربية هي جزء من هذا التضاد المحموم بين الجنسين بفعل الحرية التي يمليها الغرب والتي أحدثت نوعاً من التداخل بين دوائر الحياة ومنظوماتها التي كانت تقيم الحياة على أكمل وجه وأحسن تقويم . إن نفراً من العرب آثروا استحضار النموذج الغربي الذي أفرط كثيراً في إذابة الحدود وصهر كل تفاصيل الحياة في قالب تحرري واحد مما أحدث هذا التشنج في العلاقات وهذا الخلط الرهيب في المهمات والأدوار الحياتية . ولو أننا بقليل من التمعن في نصوص الكتاب والسنة المطهرة التي تعد المصدر التشريعي الذي ينهل منه المسلمون للمحنا هذه المعادلة الربانية الدقيقة والاتزان العادل في وصف كل من الجنسين وضبط حدوده وإلى أي مدى يسعه العمل فيه . إن التشريع الإسلامي الحضاري بنظرته المتكافئة إلى الكون والحياة والإنسان يقدم أنموذجاً رائعاً للبشرية حيث يتبدى فيه التكامل بين القطبين من حيث أن الم...

فصول في الحب

لقد اعتاد الكتاب وأولي الأقلام أن يبتدؤا مقالاتهم ويصدروا أحاديثهم بتعريف – ولو كان موجزاً – عن موضوع حديثهم ولب كلامهم . لكنني لا أستطيع هذه المرة أن أماثلهم الطريقة ولا أحاكيهم الأسلوب ، فأي تعريف يمكن أن يستقر لهذا الحب ، فهو ذو أبعاد مختلفة وألوان متعددة وأوجه متباينة   . لكلٍ ذوق يجد به طعم هذا الشعور ، ولكلٍ عين متفردة يرى من خلالها هذا الحب ، ولكلٍ كأس يشرب به ليغذي روحه ويسد رمق حاجته . لا أراه غير ماء تسقى به الحياة فتونق أزاهيراً ، ولا أجده غير عطر يتضوع في الفضاء ويملؤه عبقاً ، ولا أفسره غير شعور دافئ يتلجلج بهدوء داخل الأضلاع وقد وهبها أجنحة تطير بالنفس إلى حيث الرياض الخضرة والسهول النضرة والعوالم المبهرة . هو ذلك الحب ، سمه ما شئت ولقبه ما أردت يبقى جميلاً تحتاجه النفس وترنو إليه الحياة . ضحايا حب الشجار الدائم حطم كل المعاني الجميلة التي ولدت في طفولتها ، وإخوتها بوجوه مقطبة وأكف ممدودة يقابلونها ، ومنزل موحش ارتسمت على جدرانه المتصدعة كل صور الخوف والرهبة المقيتة . بينما هي ترزح تحت وطأة هذا الجحيم الداخلي المحرق وحبائل الشيطان تصور لها بؤر الفساد وأحضان الذئاب جنا...