التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المصالحة الخليجية هل حققت غايتها؟


 الإعلام لا يزال يمارس أدواره السلبية، وسواء اختارت الدوحة أن تخفف من أطروحات آلتها الإعلامية أو الاحتفاظ بأوراق التصعيد، فإن نظرة سريعة على أدائه لا تؤشر إلى نية في تكريس المصالحة.

الثلاثاء 2021/02/23

بعد أن أصبحت الأزمة القطرية من الماضي الذي طُوي مطلع هذا العام في قمة العلا، باختيار الرباعي العربي جانب حماية المصالح الجماعية والاستراتيجية، وطيّ مرحلة الخلاف، واختبار النوايا والإرادات بطريقة مختلفة، على أن ينتهي هذا الخيار إلى تسوية مرضية ومربحة وقليلة التكاليف.

حتى في ظل القيم التي يؤمن بها أطراف الخلاف، والتي تبدو للوهلة الأولى متضادة تماما، بل متناقضة، فإن وقف نزيف الصدام المؤذي بين الدول الجارة، وتجربة طريق أخرى لإرساء شكل من التواصل والتجاور، يكون مفيدا للجميع، أصبح ملحا ولازما.

تتفاوت سرعة الاستجابة في تفاصيل المصالحة لكل دولة بعد أن تُركت القضايا العالقة والملفات المتعثرة للمباحثات الثنائية بين الدول، وتبدو حالة الإعلام كاشفة عن درجة التقارب أو التضارب بينها.

الأزمة في ليبيا، وهي تعيش أفضل فرص حلها وإنهائها، تعطي نموذجا لانعكاس المصالحة الخليجية على حلحلة إشكالاتها، بعد أن استقطبت الأزمة أطرافا خليجية متضاربة

وفي ظل شحّ المعلومات والتفاصيل، يلجأ المراقبون إلى قراءة الطرح الإعلامي، والوقوع في فخ التكهنات والتحليل الشخصي، وهو ما يؤول بهم بالضرورة إلى الخطأ والوهم وتفضيل ميولهم وخياراتهم الشخصية.

لا يزال الاشتباك الإعلامي قائما، وبدرجة أكبر بين الإمارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة أخرى، في ظل التبعات النفسية التي أورثتها الأزمة خلال الثلاث سنوات ونصف السنة من عمرها.

قبِلت بعض عواصم الرباعي العربي “المصالحة” على مضض، أرادت مقاطعة وعزلة أبدية للدوحة، لكن المنطق والمجريات التي وقعت في الفترة الماضية، لا يسمحان بهذا الخيار الصفري، ولا بد من إعادة الاعتبار إلى الرؤى والبنى الاستراتيجية التي تحتم تجاوز بعض الخلافات وتجرّع بعض المرارات.

لا يزال الإعلام، وهو أحد أسباب الأزمة، يمارس بعض أدواره السلبية، وسواء اختارت الدوحة أن تخفّف تدريجيا من محتوى وأطروحات آلتها الإعلامية المباشرة وغير المباشرة لتجاوز حرج الارتهان لأوامر المموّل وتحولات رغباته، أو الاحتفاظ بأوراق اللعب والتصعيد بيدها، فإن نظرة سريعة على أدائه، لا تؤشر من قريب أو بعيد إلى نية في تكريس حالة المصالحة وتجاوز الخلاف ودعم المسؤوليات الاستراتيجية في هذه المرحلة الحرجة التي تعصف بالمنطقة.

لاقت المصالحة ترحيب الحكومة اليمنية، وأعربت عن أملها بأن تنعكس إيجابا على دعم الشعب اليمني وحكومته في مواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران

في ما يخصّ جماعة الإخوان، وهي إحدى نقاط الخلاف مع قطر، فإن واقع الجماعة لم يعد مريحا ولا مشجعا لمواصلة دعمها وتبنّيها والرهان عليها من قبل الدوحة، وكانت عرضت أكثر من مرة، ورقة التخلّي عنهم خلال المفاوضات السرّية عام 2019، وتعاني الجماعة الآن من تراجع لدورها، نتيجة شلل فكري وعجز عن إعادة إنتاج نفسها وانفصال حادّ مع قواعدها الشعبية وضمور جماهيريتها، فضلا عن ملاحقتها قانونيا في دول الملاذ الأوروبي، ما جعل مساعي تمويلها ودعمها مصدر صداع.

كان من المرجح أن تنعكس المصالحة، وتنسحب على ملفات أخرى، مثل تبريد الخلاف مع تركيا، واستثمار المناخ الإيجابي في الخليج، بعد أن اصطفت أنقرة أيام الأزمة مع الدوحة، وتورطت في الخلاف بصورة رئيسية، واستمر التصعيد إلى مستويات عالية، ثم تفاعلت تركيا مع المصالحة ورحبت بها، واقترحت أن تطور علاقاتها مع الخليج ورفع العوائق من طريقها، لكنه طريق لا يزال طويلا وشاقا وزاخرا بالشكوك والتردد.

وكانت الدوحة قد قدمت عروضا للحوار، مع إيران وتركيا ولعب دور “المسهّل” في هذا الحوار، لتجنيب المنطقة مخاطر الانزلاق في الصدامات الحادة.

التركيز يقع هذه الأيام على الأزمة في اليمن، وقد وضعت واشنطن ثقلها لدعم حل سياسي يضمن إنهاء الحرب، وأيّد التحالف العربي هذا التوجه وشجع على المواصلة فيه، إذا كان سيضع جماعة الحوثي تحت الضوء الكاشف، ويقطع الطريق على تلاعبها بالعمل السياسي لتغطية سوءاتها العسكرية وتوجهاتها الاستئصالية.

وتعطي زيارة المبعوث الأممي مارتن غريفيث إلى طهران، ورفع جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب، إشارات متضادة، بين وضع الدور الإيراني على الطاولة والاعتراف بتأثيره في الأزمة، أو مجرد التقرب إلى طهران على حساب الملف اليمني ومصالح الخليج، لتشجيع إيران على إعادة الالتزام بالاتفاق النووي المجهض.

هل ستنعكس المصالحة على الموقف من الأزمة اليمنية، وهل يمكن أن يعاد استثمار وتوجيه التدخل القطري، بعد أن تحوّر وتحوّل إلى عرقلة عمل التحالف والتحريض عليه وتشتيت جهده وانتباهه إلى قضايا هامشية وخلافية.

لاقت المصالحة ترحيب الحكومة اليمنية، وأعربت عن أملها بأن تنعكس إيجابا على دعم الشعب اليمني وحكومته في مواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران.

يتزامن هذا مع تصريح المبعوث الأميركي الخاص لليمن تيموثي ليندركينغ، بأن الولايات المتحدة تستخدم “بشكل نشط” قنوات خلفية للتواصل مع جماعة الحوثي اليمنية، وهو ما فهم أنه قد يكون إشارة إلى دولة خليجية لها صلات بالجماعة وتحظى بثقتها.

تتفاوت سرعة الاستجابة في تفاصيل المصالحة لكل دولة بعد أن تُركت القضايا العالقة والملفات المتعثرة للمباحثات الثنائية بين الدول، وتبدو حالة الإعلام كاشفة عن درجة التقارب أو التضارب بينها

تعطي الأزمة في ليبيا، وهي تعيش أفضل فرص حلها وإنهائها، نموذجا لانعكاس المصالحة الخليجية على حلحلة إشكالاتها، بعد أن استقطبت الأزمة أطرافا خليجية متضاربة، قطر إلى صالح تركيا والإمارات إلى صالح مصر، لكن التقارب بين القاهرة وأنقرة بضغط دولي ساعد في فك الاشتباك وتشجيع الجهود الأممية المستمرة للتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن، وتشكيل حكومة جديدة في ليبيا.

الآن هل يمكن أن تخفف المصالحة الخليجية من شدة الاستقطاب في الحالة اليمنية، تبعا لتلوينات خليجية بالأساس، وترك الأمر للرياض، وهي الأكثر دراية وإلماما وقبولا لدى المكونات اليمنية، للخروج بالبلاد من مأزقها الحاد، وقد توسعت آثاره السلبية لتشمل كل الجيران، وعلى صبّ التركيز والاهتمام نحو تشجيع المساعي السياسية والدبلوماسية لإنجاز حل سياسي واقعي وحقيقي، وقطع الطريق على كل التدخلات الإقليمية التي لا تريد باليمن خيرا، وتستثمر في وجع أهله ومآسيهم وجعلهم مجرد بيادق وأوراق في لعبة نفوذها المجنونة، والتخفيف من التفخيخ الإعلامي الذي يشحن الأزمة ويلهب أطرافها ويشوش على كل الجهود النبيلة المبذولة لإنقاذ البلاد.

يُرجى لهذا الأمل أن يتحقق، وللمصالحة أن تستمرّ في نتائجها المثمرة، وإلا فعود على بدء.



الرابط:




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

حضارات العالم تجتمع على رأس جبل سعودي في «قصر المقر»

أبها – عمر البدوي   توفي والده قبل أن يتعرف عليه، وتولى تربيته أخوه، ست سنوات كان يحتاجها محمد الشهري ليقتنع بأنه لا يستطيع تجاوز الصف الأول، أو ينجح في دراسته ليتجه إلى رعي أغنام وأبقار أفراد قريته. إلا أنه «لما استحكمت حلقاتها فرجت»، إذ ذهب ابن الجنوب إلى تبوك (شمال السعودية) والتحق بالقطاع العسكري، وأكمل دراسته حتى بلغ الثانوية، وتعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعاد ضابطاً في القوات المسلحة. وأصبح بمقدوره الآن تحقيق حلمه، وزار أكثر بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ورأى الحضارات الإسلامية والعالمية وأعجب بها. هذا نصف قصة نجاح الضابط المتقاعد محمد المقر الشهري، أما النصف الآخر فهي الفكرة التي نمت في مخيلته أثناء زياراته، وأصبحت واقعاً مذهلاً في قريته، ولكن للقصة بداية مختلفة وآسرة. فلأنه فقد والده قبل أن يتعرف عليه سوى من سمعته الطيبة ووجاهته المعروفة لدى أهل قريته، ما زاد تعلقه به، عثر على رسالة مخطوطة بيد والده فيها دعاء، وكانت سبباً في تعزيز تلك الفكرة التي ترعرت إثر سفره وإعجابه بالتاريخ والحضارات، وبدأ في جمع كل ما يقع تحت يد...