التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتابة من أجل الخلود




لأن الدنيا دار مرور، فإن الكتابة تخلق لك مروراً غير عادي.
تحتفظ ذاكرة الزمان بالأشخاص في أشكال متعددة، في موقف سياسي مفصلي، لحظة تاريخية فارقة، منجز صناعي عظيم.
وحده الكاتب يقبع بفخامة فوق رف التاريخ، سيما الكاتب البارع ذو الخيال الواسع والقلم اللامع والثراء المعرفي الرائع.
تتحكم الظروف والمعطيات في تضمين الأشخاص ذاكرة الزمان، الكاتب يخلق ظروفه ويستنطق أسبابه ويملك حيزه من التاريخ بنبوغه الشخصي واستحقاقه الذاتي.
لا فضل لأحد على الكاتب، سوى نفسه، اجتهاده الشخصي جعل من مروره على وجه البسيطة غير عادي.
رجال التاريخ الذين يستعصي النسيان على مغالبتهم، تتدخل ظروف خارج إمكانهم في منحهم صكوك البقاء على رفوف التاريخ، الكاتب يصنع ذلك بنفسه، يعتقد وبملء قناعته ومن صميم سره الدفين أن التاريخ يحتفظ بذكر الأشخاص غير العاديين، والكتابة تعطيك بقاءً مشرفاً لأمد أطول من عمرك اليسير وحضورك الآخذ في التلاشي.
يعتقد الكاتب الذي أوتي من العلم والدراية ما لم يؤت غيره، أن العالم مزدحم، والدنيا لا تكف عن ولادة الأشخاص، وهي غنية عنهم ومكتفية بسواهم، قدرتها على النسيان تساوي استطاعتها إنجاب المزيد من الآخرين، ولذلك يطور من سر خلوده وموهبة استقراره ذكراً باقياً راسخاً مركوزاً في الأرض.
الكاتب وحده ينشغل بفكرة الخلود أبعد من مساحة العمر ومسافة العيش وطول النفس، آمن بكون الدنيا محطة عبور لما سواها، وأن الحياة تسكن في معنى آخر غير هذه الأيام المثقلة بالصوارف.
سواه من النابغين يحدث أن يحتفظ التاريخ بذكرهم صُدفة، أو يأتي الخلود لهم نتيجة جهدهم وإخلاصهم وإتقانهم، ولكن يبقى ذكرهم في شكل منجز استهلاكي، أحياناً ينطوي ذكرهم ويبقى منتجهم، ولا يُنادى بأسمائهم إلا لمجرد التأريخ أو المجاملة.
الخلود للكاتب يتحقق نتيجة إرادة ذلك وقصدانه، البقاء مسألة أصيلة في تفكيره وأولوية في سلم سعيه وجهده، والنجاح بالنسبة إليه هو الوصول متعمداً وليس هدية في عرض التاريخ تتوج جهده.
الفرق تقريباً في النوايا، والإنجاز في القدرة على الوصول المتعمد والمقصود لذاته، وهذا لا ينفك عن لازمة الصدق والإخلاص والجهد والسعي الدؤوب الحثيث، الذي يحف مسيرة الكاتب ويحيط به.
تضطر الأجيال المتعاقبة العودة إلى مدخرات الكتاّب، تستمطرها لمعالجة الواقع، تبحث داخلها عن مفاتيح تستبطنها النصوص العظيمة والخالدة، وهذا يعطيها مزيداً من جدارة البقاء ولأصحابها وجاهة الخلود.
إيمان الكاتب بقصور العمر عن مطاولة الحلم بالخلود، تحرضه على البحث عن سر في شكل نص باقي وجهد كتابي سرمدي، يهيئ كل إمكاناته واستعداداته للحصول على هذه النتيجة.
إن محاولاتك لتصبح كاتباً باقياً في الأرض رغم زوال جسدك، عملية مفاوضات دائبة لتعديل ميثاق الحياة بما يعطيك مزيداً من الوقت لتعيش أكثر، تضطرب طاولة عمرك للتوقيع على ملحق إضافي على معاهدة الحياة بما يمنحك تمديداً لفرصة البقاء أكثر.
تبدو فكرة مروعة مسألة أن العمر قصير والحياة لا تدوم والدنيا إلى زوال، هذا واضح جداً بالنسبة إلى الكاتب، لأنه يعرف قيمة الحياة ويفهم المعاني التي تحيط بها وتنقضّ عليها، وهو يبحث وفي حقله الكتابي عن خارطة الخلود وسر البقاء، يظهر وكأنه أقرب من غيره، تلهمه الكتابة بالأسباب، الحقيقة تعمل العلاقة وكأنها مناجاة أو تفاهمات تنتج في شكل مكتوب.
يجهد الكاتب في البحث عن تفسير لهذا القلق، عملية المخاض هذه تقوم بتطويقه وصهره من الداخل ليصوغ كل ذلك في أطروحاته المكتوبة، ينفثها في حروفه، يتخلص منها ويسكبها في كلماته، يستريح قليلاً كما يفعل المحارب، ثم يراوده القلق مجدداً ويبدأ في رحلة جديدة من دورة العمر الباحث عن سر للبقاء.
هذا القلق لا يخص الكاتب وحده، هو الوجه الآخر من عملة حب الحياة والتعلق بالدنيا، الفرق أن الآخرين يفتك بهم القلق وينصرفون منه إلى العبثية والفوضى أو استهلاك أكبر قدر من المتع، في مسار أقرب للهروب أو الانهزام والاستسلام، الكاتب يحاول أن يخرج من ذلك بانتصار، أو اتفاق مصالحة يحتفظ للطرفين بحق الوجود والورود.
الإنسان الأول (إنسان الفطرة) يعيش بأقل قدر من القلق، يتلوه العفوي جداً لدرجة الإهمال والغفلة، ثم إنسان العصر الذي يعيش حياة مختطفة لا تمنحه فرصة التفكير وتبتلعه بقسوة صوارف الطريق، يعاني القلق ولكن لا يواجهه.
الكاتب الذي لا يواجه قلقاً من نوع ما، يبحث عنه وربما ينفخ في روحه ليحصل على دافعه للكتابة، ومؤدى ذلك الحصول على حياة دائمة تقريباً ما بقي لأثره من فاعلية ولنتاجه من قوة وحضور.
الكتابة تحتفظ بك طويلاً، تختزن تفاصيلك وكأنك حي ترزق، تسري روحك في عروق كلماتك وأفكارك، تعيش منتصبة بقدمي التجدد والتدفق، تمد من عمرك آماداً بلا انقضاء وأزماناً بلا انتهاء، والدوام للحي القيوم الذي لا يموت.

الرابط :

http://kasra.co/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%88%D8%AF/

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

تمجيد صدام حسين المجيد

كان يمكن للقصة الشهيرة التي تداولها عامة العرب عن صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مطبوعة في كبد القمر أن تكون مجرد مزحة عابرة تذوب مثل قطعة ثلج أو تتبخر مثل بؤرة ماء، ولكن القصة المختلقة التي شاعت عشية تنفيذ حكم الإعدام في حقه من قبل الحكومة العراقية بعد إسقاط نظامه وتفكيك الدولة العراقية نتيجة حرب خاضها حلف دولي تقوده الولايات المتحدة، تمكنت في أذهان جيل بأكمله وتطورت إلى أشكال متجذرة لترميز الرئيس العراقي المخلوع. أصبح صدام ذا شعبية أكبر لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي، فبإمكانك أن تلاحظ حجم الصور التي تنتشر له والأقوال المختلقة في محاولة لاستنطاقه بما يتمناه الشاب العربي من خطاب مشبع بالأنفة والاعتزاز ضد غطرسة الجانب الغربي من العالم أو الطائفة الشقيقة للغالبية السنية في الشرق الأوسط. لا تبدو سيرة صدام حسين مثيرة للإعجاب في التاريخ، فهو مجرد حاكم عربي عسكري يشبه أترابه ممن يقبض على سدة حكم الجمهوريات العربية المرتبكة في تقديم هوية سياسية ونظام حكم متماسك، يضاف إليه بطش أهوج وديكتاتورية مطبوعة بنزقه الشخصي وجنون العظمة الذي أودى بمستقبل العراق وشعبه في جملة من المغا...