التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف انخفضت الرغبة في التغيير؟




  • عمر البدوي
(لندن وفرنسا مليانه سعوديين، ودبي وقطر والبحرين نصهم سعوديين، والسعودية زحمة، ياخي علمونا الصدق حنا كم مليون؟؟) رسالة بلاك بيري.
توجه الموظف الجديد حسن إلى الإدارة العامة التي تشرف على الفرع الذي يعمل به، عند المدخل وفوق رأس موظف الاستقبال لوحة كبيرة تحوي فروع المؤسسة المنتشرة، أثاره غياب اسم الفرع الذي يعمل له، وبادر بالسؤال إلى الموظف الذي صفعه بالإجابة:
- يبدو أنه سقط سهواً، آثار الغراء واضحة ولكن اللوحة مفقودة، أنتم فرع ناءٍ بعض الشيء، لا تهتم!! حتى تكون بعيداً عن رؤية الرقيب، اشتر راحة البال يا ولد (سيّب قلق الراس) . غادر حسن الإدارة العامة منكباً على وجهه، منكسر الفؤاد لا يلوي على شيء وقد انطفأت جذوة الحماس في قلبه، أخذ ملف أفكاره الجديدة التي كتبها بدم حماسه ونحتها بإصراره على التطوير والتغيير، شعر بانقباض صدره وألقى بالملف في درج المعاملات المعطلة، أصبح هذا الدرج ملاذاً كريهاً لكل المعاملات التي تقف عليها مصائر أقوام وأقوام ولا تنتظر سوى موظف نشط متفائل يمضي في أمرها ويفك سرها، ولكن هيهات.
لماذا يسيطر الإحباط على مستوى الموظفين العرب، وانخفضت الرغبة لديهم في التغيير؟ قرأت كثيراً للمفكر السعودي إبراهيم البليهي وهو صاحب تجربة إدارية ثرية، كان يشكو كثيراً من تململ الموظف السعودي وضعف إنتاجيته وقلة منسوب أخلاقيات العمل لديه بالقياس إلى الموظف الكوري والشرق آسيوي.
بعيداً عن الموظف في دائرة حكومية وإدارية وخدمية، ماذا يحدث للمعلم السعودي، وهو مؤتمن على صياغة أجيال المستقبل إذا تعطل إحساسه بالتغيير وتوقف عن تطوير نفسه لإياسه من التحفيز والاهتمام؟
الإنسان الذي لا يتلقى مقابلاً معنوياً لقاء اجتهاده، يتسرب إليه الشعور بالإهمال والتجاهل واللامبالاة.
التقصير المتكاثر في الخدمات والمسؤوليات الإدارية والخدمية والاجتماعية جاء بمثابة ضربات موجعة في الجسد الوطني، أخضع العقل الجمعي للعطل، والقلب باليأس، وانتشر سم قتل الرغبة في التغيير.
كان التغيير هو الشعار الأبرز والكلمة الأكثر شيوعاً في حملات باراك حسين أوباما، الذي استعمل وسائل التواصل الحديثة ليعيد الأمل إلى النفوس، ويسحر ألباب الأمريكان وأفئدتهم بهذه الكلمة النافذة إلى شغافهم المهشمة بفعل الإدارة السيئة الذكر لجورج بوش الابن.
كان أوباما رمزاً مبهراً لفكرة التغيير، وفي حملته الانتخابية لتنصيبه رئيساً في ولاية ثانية «عاد أوباما إلى شعار حملته الانتخابية عام 2008، والتي حملت عنوانا عريضا هو»التغيير»، وشجع الناخبين على مواصلة القتال من أجل التغيير عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع في شهر نوفمبر / تشرين الثاني.
وقال : «إذا توقفتم الآن .. وإذا بدأتم تؤمنون بأن التغيير الذي حاربنا من أجله أصبح غير ممكن، فإن ذلك التغيير لن يحدث أبداً» سي إن إن عربية.
هل جاءت شبكات التواصل الاجتماعي لإنقاذ الموقف وترميم الحالة؟ ربما.
اختار أحد المشاهير على برنامج له عنوان (نعم أتغيّر) وانثالت التغريدات وانسكبت الإرادات التي تنوي التغيير في هاشتاق تفاعلي رائع، وحمل شباب اليوتيوب العنوان نفسه على قمصانهم وواصلوا مسيرة الترويج لهذا المعنى.
استعاد مفهوم التغيير عافيته، وتحول إلى معنى مبهج ومغر، وأسهمت شبكات التواصل وثقافة الإعلام الجديد في إعادة الوهج إليه وأحيت النفوس من جديد بعد موات لسنوات، وصدرت كتب وانطلقت دورات تدريب وعنونت حلقات تلفزيونية وبثت مقالات في التطوير والتدريب والتنمية والتغيير، تحول هذا المعنى الفذ إلى روح جديدة سرت في عروق المجتمع.
بالنسبة لنا في ظل مجتمع ناشئ ولديه قدرات بدائية، فإننا بحاجة إلى كل شخص، «والحد المثالي للتطور الاجتماعي الذي يمكن أن يبلغه مجتمع ما، متوقف على الحالة التي يحقق فيها هذا المجتمع أفضل الظروف النفسية الزمنية لأداء نشاطه المشترك.
وهذا يحدث بوجه عام عندما يكون المجتمع في حالة النشوء : كالمجتمع الإسلامي في العهد المدني، وكالمجتمع المسيحي في مغارات روما، إذ إنه في هذه الحالة يحقق أرفع درجات الاندماج والانسجام، فيكون التوتر الأخلاقي قد بلغ ذروة درجاته.
ويبلغ المجتمع الحد النهائي في تطوره عندما يفقد بالتدريج خاصة الانسجام، فيتفرق أفراده ذرات، ويصبح في نهاية تحلله عاجزاً تماماً عن أداء نشاطه المشترك، أي أنه يتوقف عن أن يكون (مجتمعاً) بالمعنى الدقيق «مالك بن نبي - ميلاد مجتمع.

الرابط :

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

حضارات العالم تجتمع على رأس جبل سعودي في «قصر المقر»

أبها – عمر البدوي   توفي والده قبل أن يتعرف عليه، وتولى تربيته أخوه، ست سنوات كان يحتاجها محمد الشهري ليقتنع بأنه لا يستطيع تجاوز الصف الأول، أو ينجح في دراسته ليتجه إلى رعي أغنام وأبقار أفراد قريته. إلا أنه «لما استحكمت حلقاتها فرجت»، إذ ذهب ابن الجنوب إلى تبوك (شمال السعودية) والتحق بالقطاع العسكري، وأكمل دراسته حتى بلغ الثانوية، وتعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعاد ضابطاً في القوات المسلحة. وأصبح بمقدوره الآن تحقيق حلمه، وزار أكثر بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ورأى الحضارات الإسلامية والعالمية وأعجب بها. هذا نصف قصة نجاح الضابط المتقاعد محمد المقر الشهري، أما النصف الآخر فهي الفكرة التي نمت في مخيلته أثناء زياراته، وأصبحت واقعاً مذهلاً في قريته، ولكن للقصة بداية مختلفة وآسرة. فلأنه فقد والده قبل أن يتعرف عليه سوى من سمعته الطيبة ووجاهته المعروفة لدى أهل قريته، ما زاد تعلقه به، عثر على رسالة مخطوطة بيد والده فيها دعاء، وكانت سبباً في تعزيز تلك الفكرة التي ترعرت إثر سفره وإعجابه بالتاريخ والحضارات، وبدأ في جمع كل ما يقع تحت يد...