التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دول الخليج بين التجديد والتبديد

حتى خلال واحدة من أكثر مراحل الجمهورية الإيرانية تضعضعاً وهشاشة فإن مخاوف ارتكاب طهران لحماقات غير محسوبة كردّ فعل ضد استهدافها المستمر والغامض لا تزال تتربص بالمنطقة وتهدد أمنها واستقرارها.

الأربعاء 2020/07/29

فرضت جائحة كورونا فرصاً كبيرة للتأمل، على صعيد الأفراد والدول والجماعات، ومنظومة دول الخليج واحدة من الكيانات السياسية التي انعكست عليها آثار الجائحة اقتصادياً وسياسياً وفي خطط استعدادها للمستقبل.

انطلق مسبار الأمل الإماراتي كرسالة إصرار على محورية منطقة الخليج العربي في بناء مستقبل المنطقة، رغم كل التحديات والمعوقات التي يمكن أن تعرقل بعض خطواته، وتبطئ انسياب المشاريع العملاقة التي وضعت لتحافظ على حيوية الأمل وفعالية العمل.

حزمة من الملفات والتحديات التي تلوح في أفق الدول الخليجية، تتطلب إزاءها جهداً مشتركا يحافظ على درجة ملاءتها الاقتصادية وفعاليتها السياسية، مع ضرورة الاعتدال في النظر إلى مقوماتها وإمكانياتها لاختراق الأفق المستقبلي بوعي وأمان وجدوى.

كان العمل قد صمّم في المنظومة الخليجية على أساس دور فاعل ووازن للسياسة الأميركية وحضورها المؤثر في المنطقة، وكانت العلاقة تتأرجح بين تحالف استراتيجي مفيد وانسيابي، أو تباين معقول تفرضه موازنات الوقائع والأحداث، لكنّ نمطاً من التحولات العميقة طرأ على حالة السياسة الأميركية وتأثّر نتيجته دورها في المنطقة، الأمر الذي يتطلب إعادة هندسة هذه العلاقة على ضوء هذه التطورات الجديدة، دون خسائر فادحة على جسم العلاقة المفيدة، أو تبعات الفراغ الكبير والحاد الذي تتركه فجوة الاختلاف.

يتصل هذا، بسياسة الاتجاه شرقاً والانفتاح على علاقة أكثر فعالية مع قوى الشرق الجديدة، وعلى رأسها الصين بأخطبوطيتها الاقتصادية الهائلة وتوسعها التجاري الكبير، وتسعى الرياض قريباً إلى عقد قمة عربية – صينية بهدف “تتويج النجاح” المتزايد في التعاون الذي “يزداد قوة ورسوخاً وتنوعاً” بين الجانبين.

وسيكون لهذا الاستبدال والتحول المهم أثره على ضبط وتنظيم دخول الصين من الباب الكبير على المنطقة، وليس معلوماً إذا كانت علاقة اقتصادية مربحة، تكفي لتجاوز اختلاف وجهات النظر السياسية التي تربط الصين بدول الخليج، وأكثرها إشكالية هو الموقف من سلوك إيران، الذي يتسبب في إزعاج وإيذاء كبير للعواصم الخليجية، فيما تقترب بكين من موقف موسكو تجاه طهران، وقد ترجمت هذا بعقد شراكة موسع مع طهران واتفاق يزيد من نفوذها وتأثيرها في الداخل الإيراني، الأمر الذي يسمم أجواء علاقتها مع الخليج، ومن جهة ربما يكون عامل تقريب مهم ومفتاح حلّ للأبواب المغلقة دونهما.

إذ لا يزال الهاجس من إيران يتزايد كلما توسعت في غرز ميليشياتها في محيط دول الخليج العربي، حتى خلال واحدة من أكثر مراحل الجمهورية الإيرانية تضعضعاً وهشاشة، فإن مخاوف ارتكاب طهران لحماقات غير محسوبة كردّ فعل ضد استهدافها المستمر والغامض، لا تزال تتربص بالمنطقة وتهدد أمنها واستقرارها.

كما أن حالة الضعف التي منيت بها المنطقة العربية، فرضت على ما بقي من العواصم المتعافية، وعلى رأسها الرياض وأبوظبي مباشرة، تحديات وواجبات الملفات العربية، الأمر الذي حتّم عليها الالتحام مع لاعبين إقليميين ودوليين يطمعون في إقصائها والانفراد بتشكيل هوية وواقع المنطقة، لكن بعض دول الخليج رفضت تذويب المناعة العربية وتهديد سيادتها، رغم ما تشكله جارتهم قطر من اختراق يهدد سعيها ودأبها على النجاح في مهمة الضرورة التاريخية.

على الصّعيد المحلي، فإن الدول المهمة في المكون الخليجي تخوض تحديات متنوعة، اقتصادية بالأساس، جرّاء الاضطراب المتكرر لأسواق النفط بوصفها السلعة الرئيس في ضمان تدفق العوائد وتأبيد حالة الرخاء الاجتماعي.

وتأتي خطوات استهداف الفساد ووقف استنزاف المقدرات الوطنية والمدخرات المالية، والتي تبرز أكثر في التجربة السعودية، وبرامج التقشف على مرارتها بالنسبة إلى مجتمع كان يسبح في بحر رعوي مغر، وخطط الإصلاح الاقتصادي الحادة أحياناً، ومراجعة أوضاع العمالة المتضخمة في الخليج، والسلوك الاستهلاكي الذي كان يستنزف الثروات الحيوية، كوجه واحد من عملة التحولات الصلبة في طبيعة وواقع دول الخليج وشعوبها.

وعلى الوجه الآخر، فإن القيادات الشابة التي صعدت لتسلّم المهام وتقلّد الزمام، وعملية استئصال شأفة التطرف وإدماج القيم العصرية، مهمة نبيلة لسلامة وأمن المستقبل المأمول للمنطقة، ودور ضروري لوقف هدر الحقوق الطبيعية للأجيال المقبلة.

في ظل مجتمعات خليجية يغلب عليها الشباب، تجاوزت خانة السرديات التقليدية، وتتطلع إلى نواة بناء جديدة تكون أرضية صلبة ومستوعبة لطموحاتهم وشروط استقرارهم.

كما وتعمل مشاريع المستقبل المركزية، التي أعلنت في بعض الدول الخليجية، بمثابة وقود لاستنهاض المنطقة ومشعل أمل يشعّ، مع الالتفات لحجم التحديات التي يمكن أن تهدد تلك المشاريع العملاقة، وتذروها رياح الممانعة الاجتماعية أو حمم الوقائع السياسية، أو استدراج الخطابات والأفكار الأيديولوجية، لأن الذهاب إلى المستقبل وتبنّي خطط التجديد أصبح خيار ضرورة وجودية، يتجاوز حرب الدعايات الشكلية والمناكفات السياسية.

الرابط : 






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

تمجيد صدام حسين المجيد

كان يمكن للقصة الشهيرة التي تداولها عامة العرب عن صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مطبوعة في كبد القمر أن تكون مجرد مزحة عابرة تذوب مثل قطعة ثلج أو تتبخر مثل بؤرة ماء، ولكن القصة المختلقة التي شاعت عشية تنفيذ حكم الإعدام في حقه من قبل الحكومة العراقية بعد إسقاط نظامه وتفكيك الدولة العراقية نتيجة حرب خاضها حلف دولي تقوده الولايات المتحدة، تمكنت في أذهان جيل بأكمله وتطورت إلى أشكال متجذرة لترميز الرئيس العراقي المخلوع. أصبح صدام ذا شعبية أكبر لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي، فبإمكانك أن تلاحظ حجم الصور التي تنتشر له والأقوال المختلقة في محاولة لاستنطاقه بما يتمناه الشاب العربي من خطاب مشبع بالأنفة والاعتزاز ضد غطرسة الجانب الغربي من العالم أو الطائفة الشقيقة للغالبية السنية في الشرق الأوسط. لا تبدو سيرة صدام حسين مثيرة للإعجاب في التاريخ، فهو مجرد حاكم عربي عسكري يشبه أترابه ممن يقبض على سدة حكم الجمهوريات العربية المرتبكة في تقديم هوية سياسية ونظام حكم متماسك، يضاف إليه بطش أهوج وديكتاتورية مطبوعة بنزقه الشخصي وجنون العظمة الذي أودى بمستقبل العراق وشعبه في جملة من المغا...