التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أطروحات الطائفية عجلت بتهاوي حركات الإسلام السياسي


مجتمعات المنطقة تحصد ما زرعه الإسلام السياسي من تطرف وعنف وطائفية


الإسلاميون حين جعلوا هدفهم الوصول إلى السلطة مهما كلفهم ذلك من ثمن، تناسوا أن اللعبة السياسية لا بد لها من تأصيل فكر المشاركة لا مفهوم الغلبة، وانتشار مفاهيم الطائفية في أدبياتهم جعل الصدام هو الحتمية والنتيجة، سواء كانت هذه الحركات التي تدعي الانتساب إلى الإسلام متجلببة برداء السنة أو الشيعة.

العرب عمر علي البدوي [نُشر في 15/06/2015، العدد: 9949، ص(13)]

عندما تتّبع خطابات رئيس حزب الله اللبناني ذي التوجهات الإيرانية حسن نصرالله منذ بدء الأزمة السورية حتى هذه الأيام، ستلاحظ حجم الانهزام في عنترياته وخطاباته الهوجاء، إذ تتكبد ميليشياته الكثير من الخسائر البشرية والمعنوية، التي تتزايد بضراوة هذه الأيام، ويبدو هذا واضحا في استماتته لحفظ ما تبقى من عنفوان الحزب وماء وجه الحركة.
تورّط حزب الله وبقية وكلاء الجمهورية الإيرانية في المنطقة في حرب الأطراف المتداخلة في سوريا، حيث جاءت الأزمة السورية في توقيت غير مناسب بالنسبة إلى حساباتهم وافتضحت قيمة الشعارات البطولية التي كان يرفعها الحزب ضد الاحتلال الإسرائيلي والقوى الدولية الطامعة في المنطقة.

في بداية الأزمة السورية كان حزب الله يسجّل انتصارات متعددة في القلمون وبقية مناطق الساحل السوري، ويكاد النظام يعتمد عليه في وضع الخطط العسكرية وربما ضبط يوميات المناطق التي ما زالت في قبضة الحكومة السورية، ولكن مع الوقت أصبحت الجثامين تتوجه بتتابع إلى الضاحية الجنوبية ومعها كانت الأمور تنفلت وتنهار بوجه الحزب الذي يجثم على صدر اللبنانيين قبل السوريين.

رفقاء السلاح وميليشيات بدر وأبو الفضل العباس هي الأخرى تعبّر عن فشل الحكومة العراقية في ضبط ميزان البلاد، فبعد أن استطاع تنظيم الدولة السيطرة على الموصل والقبض على مساحات شاسعة من الأرض العراقية، كشّرت الحكومة العراقية عن ظاهر ارتهانها بيد الحركات السياسية الطائفية التي تتغذى من وريد الولاية الإيرانية المهيمنة على حركات الإسلام السياسي الشيعية.

وإمعانا في تطييف الحالة العراقية قبلت الحكومة بإطلاق يد ميليشيات الحشد الشعبي لمواجهة تنظيم الدولة في الأنبار والرمادي، ليزيد من إلهاب المعركة الطائفية التي تغذيها حركات الإسلام السياسي المتناظرة، وفي معركة الكرّ والفرّ بين الحشد وتنظيم الدولة تسجل وقائع انتهاكات طائفية صارخة من الطرفين تزيد الطين بلّة.

في المقابل تعاني حركات الإسلام السياسي السني من انقلاب الطاولة بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي من سدّة حكم مصر، وقد جاءت به الانتخابات معلنة فوز الإخوان وبفارق بسيط عن أقرب منافسي الجماعة وكأن العصر الذهبي للإسلاميين قد بدأ، ولكن الحظ انتكس بعودة المؤسسة العسكرية إلى المشهد وأُودع الإسلاميون من جديد السجون، وفي تونس سجل الإسلاميون فشلا مدويا في الحكم، أما حزب العدالة والتنمية في تركيا والذي عده الإسلاميون الأنموذج الأزهى في عيونهم، فإنه يواجه أزمة عاصفة بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية مؤخرا على نحو يعيق استئثارهم بتشكيل الحكومة واضطرارهم للتفاهم مع منافسيهم وإعاقة طموحاتهم المنفردة.

في ليبيا واليمن والبحرين والكويت تعاني حركات الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، من الارتباك والتشرذم نتيجة ذوبان حالة الدولة في بعض الدول، أو الصدام الطائفي في دول أخرى، تلهبه معركة إقليمية أكبر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية بكل أطماعها الإمبراطورية وأحلامها الإسلامية التي تستبطن تاريخها الفارسي الممتد، وبين مشروع عربي يحاول المناكفة والانبعاث من جديد من تحت ركام الهزائم المعنوية الحادة، وتأتي “عاصفة الحزم” التي أطلقتها السعودية في مواجهة الحوثيين باعتبارهم وكلاء إيران في الجزء الجنوبي من العالم العربي بمثابة إعلان أوّلي عن هذا المشروع العربي الناهض.

تعبر حالة الإسلاميين في الأردن عن العلاقة التقليدية التي جمعتهم بالأنظمة القائمة ما قبل الثورات، إذ تعيش العلاقة صورة من الكرّ والفرّ بينهما، يحاول الإسلاميون استغلال الحيز المتاح من التحرك، وتعمل الحكومة على ضبط الآثار الناتجة عن سلوكهم وطموحهم السياسي دون أن يفكر أيّ من الطرفين في تطوير العلاقة باستحداث إصلاحات سياسية من قبل الحكومة، أو إطلاق عملية مراجعات وتحديث فكري من قبل الإسلاميين بدرجة تجعلهم استيعابيين لا إقصائيين.

في سوريا لا صوت يعلو على صوت الرصاص، يحاول الإخوان البحث عن موطئ قدم ضمن الحيّز المتاح من التحرك، ولكن الحركات الجهادية تقبض على المشهد وتدير المعارك باتجاه حادّ يؤذن بمستقبل غير مأمون ولا مضمون لما بعد الأسد.

الأمر نفسه أو قريبا منه في ليبيا التي تواجه أزمة إدارتها بحكومتين وبرلمانين متباينين، يقع الإسلاميون في طرف منها، يحملون السلاح تارة ويجلسون على طاولة الحوار تارة أخرى، ويأتي هذا ضمن مناخ عام دولي وإقليمي لا يقبل بالإسلاميين ويحاول تنحيتهم من المشاركة في إدارة بلدان ما بعد الثورات.

وأخيرا في المغرب الذي ربما يعطي انطباعا عن صورة جديدة وفريدة في علاقة حركات الإسلام السياسي بالنظام والمجتمع، إذ يأتي حزب العدالة والتنمية كأكبر كتلة برلمانية مؤثرة ولكنه يسير بالتوازي مع نهج البلاد الملكي المنضبط وضمن نسيج عمل الحكومة ويمارس السياسة دون انفراد أو استئثار، يوصم به الإسلاميون عموما عندما تخلو الساحة إلا من صوتهم الذي يأتي عاليا في الغالب.

في مصر التي سجلت أكبر انتصار للإسلام السياسي في العالم العربي أيّام فوز الإخوان غير الحاسم بمقعد الرئاسة قبل عزلهم، لم ينجح الإسلاميون في احتواء المنافسين السياسيين ضمن تكتل يضمن مشاركتهم ويقوّي مناعة الحكم، بل أطمعت النتائج الإخوان لمزيد من الاستئثار والانفراد الذي كان يتوجّس منه الليبراليون والأقليات الدينية الأخرى، فكانت سقطة الإخوان في لعبة السياسة الخطرة، سواء استخدم ذلك مبررا اعتسافيا لعزلهم أو حجة منطقية لخسارتهم، فإن من واجب الأطراف السياسية ومن بينها الإسلامية أن تقبل بفكرة أنها جزء من المجتمع وليست كله، وإن لوّحت بمنطلقاتها الدينية واحتكارها لملامح تفردها ونرجسيتها، يجب أن يفكر الإسلاميون بمنطق المشاركة لا المغالبة.

الرابط :


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

حضارات العالم تجتمع على رأس جبل سعودي في «قصر المقر»

أبها – عمر البدوي   توفي والده قبل أن يتعرف عليه، وتولى تربيته أخوه، ست سنوات كان يحتاجها محمد الشهري ليقتنع بأنه لا يستطيع تجاوز الصف الأول، أو ينجح في دراسته ليتجه إلى رعي أغنام وأبقار أفراد قريته. إلا أنه «لما استحكمت حلقاتها فرجت»، إذ ذهب ابن الجنوب إلى تبوك (شمال السعودية) والتحق بالقطاع العسكري، وأكمل دراسته حتى بلغ الثانوية، وتعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ثم اتجه إلى الولايات المتحدة الأميركية، وعاد ضابطاً في القوات المسلحة. وأصبح بمقدوره الآن تحقيق حلمه، وزار أكثر بلدان أوروبا وآسيا وأفريقيا، ورأى الحضارات الإسلامية والعالمية وأعجب بها. هذا نصف قصة نجاح الضابط المتقاعد محمد المقر الشهري، أما النصف الآخر فهي الفكرة التي نمت في مخيلته أثناء زياراته، وأصبحت واقعاً مذهلاً في قريته، ولكن للقصة بداية مختلفة وآسرة. فلأنه فقد والده قبل أن يتعرف عليه سوى من سمعته الطيبة ووجاهته المعروفة لدى أهل قريته، ما زاد تعلقه به، عثر على رسالة مخطوطة بيد والده فيها دعاء، وكانت سبباً في تعزيز تلك الفكرة التي ترعرت إثر سفره وإعجابه بالتاريخ والحضارات، وبدأ في جمع كل ما يقع تحت يد...