التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذبول الورق أم موت الصحافة!

وسائل الإعلام الجديد لم تنف الصحافة كعملية وحاجة ضرورية، بل زادت من فاعليتها وتأثيرها، ووسعت قاعدة العاملين فيها، بإتاحة أدوار جديدة تبدأ بالمواطن الصحافي.
الاثنين 2018/06/11
الصحافة الورقية تعاني من أشد وأحرج مراحلها

في آخر نسخة لملتقى الإعلام العربي في دبي، كان موضوع انتهاء زمن الصحافة الورقية حاضراً، بل أصبحت تلك الملتقيات أشبه بمراسم تأبين سنوي لحالة الصحافة عموماً، وتزداد وتيرة النعي كلما انطفأت صحيفة ما وأعلنت انسحابها من بين يدي القارئ العربي المأخوذ بالوسائط الجديدة.
كان مشهد ممثلي الشبكات الاجتماعية كفيسبوك وتويتر فوق مسرح الملتقى وجلسات النقاش، يحاضرون عن الأدوات والمهارات الصحافية التي تتيحها منصاتهم للجمهور، صورة بانورامية تختصر حقيقة تسليم مقاليد المسرح الإعلامي لهذه المنابر التشاركية الجديدة.
فيما الحرس القديم من نجوم الزمن الصحافي الفائت ينازعون للبقاء ويحتفظون ببصيص حضور شرفي تضيق دائرته كل مرة، ويشهرون أقلامهم الشاحبة، مشيرين بسؤال العنصر المفقود لثقب سحابة الصيف كما يظنون، المصداقية، التي تتلاشى على منصات الإعلام الجديد، ويغيب معها الضبط المؤسسي مما يعطي الفرصة لتسرب الأكاذيب وعبث التوظيف والارتزاق.
لكن الجمهور، وهو العنصر الوازن في المعادلة، لا يأبه كثيراً لهذا السؤال، ويواصل هجرته الدائبة إلى المنصات التي أفسحت له حق المشاركة والتأثير، وبذلك يستمر نزيف الصحافة٬ وتضمر عضلات الدفاع المستميت واليائس عن بقائها.
كان الملتقى كل عام يضيق بحرس الصحافة القديم، في المقابل تتناسل وجوه “السوشل ميديا” وتتكاثر، تؤدي مهمتها المختزلة في تغطية الملتقى، ونقل مفعم لأحداثه إلى جماهيرها عبر الفضاء المفتوح، البعض من المستهلكين أو الأتباع يتحلقون حول نجم ما، تزداد تكلفته حسب أرقام متابعاته في نفس الوقت، والمكان ينضج، صحافيون ينتمون إلى مؤسسات مهتزة موادهم لتملأ ورق الصباح التالي أو جدران المواقع الإلكترونية البديلة، كان المشهد قريباً من سباق الأرنب والسلحفاة.
مؤخراً٬ أعلنت صحيفة الحياة التخلي عن طبعتها الورقية في عدد من أهم العواصم العربية، التي يصحّ اعتبارها مؤشراً على درجة انتشار ومقروئية الصحافة، ولا سيما في حق واحدة من أهم وأشهر الصحف التي بقيت حاضرة ومؤثرة في الذهن والواقع العربيين.
احتفظت “الحياة” بالنسخة نفسها على صيغة إلكترونية، والواقع أن هذا قد يشير إلى الفهم غير الكامل لطبيعة الفضاء الإلكتروني، إذ أن إبقاء الصحيفة بنفس طابعها وتصميمها على الوسيط الإلكتروني يشبه وضع الصحيفة على الاستاندر الشهير الذي كان يحمل الصحف بانتظار أن يلتقطها زبون ما، كما أنه مجرد نقل الصحيفة نفسها بكل طابعها التقليدي دون توظيف كامل أو استثمار في إمكاناتها التقنية ومتاحاتها٬ مؤشر آخر على القصور في المواكبة والفهم.
يتعرض المحتوى إلى امتحان صعب، وهو ارتهانه لإلحاح الجمهور بما قد ينزل بطرحه إلى المستوى الشعبي
الصحافة عمل بشري مستمر مع اختلاف الوسائل والأوعية، الكلام عن نهاية الصحافة الورقية لا يعني موت الصحافة كحاجة بشرية قائمة ومستمرة، وهي الفعل الدائب لاستقاء المعلومات والبحث في الأخبار.
وهذا يجدد الحديث عن تغيير الوسيلة وليس نهاية المهمة أو انتفاءها، وهو ما لا يمكن تصوره ما لم تطو الأرض ويرتفع منها الإنسان.
وسائل الإعلام الجديد لم تنف الصحافة كعملية وحاجة ضرورية، بل زادت من فاعليتها وتأثيرها، ووسعت قاعدة العاملين فيها، بإتاحة أدوار جديدة تبدأ بالمواطن الصحافي، ولا تنتهي بكيانات تكبر٬ تقوم بعمل صحافي مكتمل العناصر والأركان، حققت انتشاراً واسعاً وتأثيراً كبيراً بفضل إجادتها وإحاطتها بلغة الجمهور الجديد وتبني أدوات الزمن الصحافي الحديث.
كما أن المحتوى لم ينته دوره، بل توسع وازداد تأثيره في تطوير فعالية أي وسيلة إعلامية، المحتوى الذي يلبي حاجات الجيل الجديد، يجيب عن أسئلته العصرية، ولا يلوك ذات المواضيع المكرورة منذ أجيال، وكأن الزمن توقف هناك، أو ذبل المجتمع وتجمد عند لحظة معينة بقيت الصحافة متمهلة عنده من دون حراك.
ولأن المحتوى صنو الحرية، ومتطلب لسقف سلس ومرن، فإن فرصة صناعة محتوى حقيقي في صحافتنا العربية تضيق أو تتحسن بصعوبة، ونظرة واحدة على خارطة مؤشر حرية الصحافة تكفي لرؤية ذلك البساط الأسود الذي يخيّم على معظم مناطق الشرق الأوسط بوصفها بلداناً معدومة أو منخفضة الحرية، الأمر الذي يعني محتوى هشاً ومخنوقاً، تتحول عنه الجماهير إلى غيره من البدائل التي توفرها التقنيات الجديدة.
من جهة٬ يتعرض المحتوى إلى امتحان صعب، وهو ارتهانه لإلحاح الجمهور بما قد ينزل بطرحه إلى المستوى الشعبي٬ وهو ما ينخر محتويات شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد، وبذلك تفقد الصحافة رصانتها ودورها المهني.
وأمام هذه الثنائية المربكة، تتزاحم الأسئلة القلقة عن مستقبل الصحافة ومصيرها، وعن واقع ما تعاني، أكانت مشكلتها في عزوف القارئ أم المعلن٬ في نهاية زمنها أم قلة مواردها، ماذا لو كانت الصحف تملك سيولة بأي شكل من الأشكال٬ هل ينهي هذا أزمتها ويعيد إليها جمهورها وشعبيتها؟ هل تستطيع منتجاتها أن تجد لها مستهلكين، أم أن جزءاً من العزوف جاء بسبب الموقف من دور الصحافة في التاريخ العربي٬ وقد تقلبت لعقود في أحضان الأيديولوجيات والسلطات٬ واستسلمت لرياح الأهواء السياسية المتعددة، والتي انتهت في كل الأحوال بخيبة أمل كبيرة طالت كل شيء٬ ونتائج راهنة رثّة.
الانتقال الجزئي للصحف لا ينعش الورق ولا ينهي المعضلة، الانتقال الإلكتروني الذي يجتذب الجيل الجديد من الجمهور، وبالتالي المعلن الذي يغذي موارد الصحافة وينمي مدخراتها، يحتاج إلى شيء من مشقة التغيير الواعي بما يحدث في العالم أمام ديناصورية التفكير وتقليدية الوسيلة.
كما أن النحيب الممل عن نهاية الورق، يتبدد أمام بقاء الكثير من الوسائل القديمة التي لا تزال حاضرة ونابضة٬ وبقي الفرق في تقليص حضورها، إذ لم ينته المذياع بحلول التلفزيون، كما أن الأخير لم يهزم أمام يوتيوب، وكذلك صالات السينما تشهد إقبالاً رغم الأرقام التي يسجلها نتفليكس وبقية السرب الطويل من المنصات التي اهتدت بهداه، وكذا الصحافة الورقية تعاني من أشد وأحرج مراحلها أمام إعلام جديد يختبر موقعه من عناية الناس واهتمامهم ٬ لكنها ليست نهاية حتمية للصحافة بالضرورة.

الرابط :

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

السعوديون يحتفون بالذكرى السابعة لبيعة الملك سلمان

خادم الحرمين رافق مراحل التنمية على مدى 60 عاماً   الاثنين - 3 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 08 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15686] الرياض: عمر البدوي وبندر مسلم يحتفي السعوديون اليوم بالذكرى السابعة لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في 23 يناير (كانون الثاني) الموافق (3 ربيع الثاني 1436هــ) ومبايعته ملكاً للبلاد، ورائداً لمرحلة جديدة تخوضها السعودية منذ وصوله قبل ٧ سنوات، كسابع ملوك المملكة بعد إعلان توحيدها عام 1932. الملك سلمان بن عبد العزيز الذي رافق مراحل مفصلية من عمر البلاد، اختبر خلالها المفاصل التاريخية التي آلت بالسعودية إلى ما هي عليه اليوم من تنمية وازدهار، ومن موقعه سابقاً، حيث كان أميراً لمنطقة الرياض لأكثر من خمسة عقود وتسميته أميراً لها عام 1955 وهو في عقده الثاني من العمر، راقب البلاد وهي تنمو. حتى أصبح قائداً للبلاد، وشاهداً على نهضتها الجديدة، في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والتنظيمية، والأعمال والمشاريع والمبادرات السريعة والمتلاحقة على المستويين التنموي والاجتماعي، والتي أضحت بفضلها السعودية منافساً تلقائي...

«بيت الرشايدة».. «وقف» تحول «أكاديمية» تحتفظ بأسرار جدة

جدة – عمر البدوي   تسجل حارات وأزقة جدة القديمة، التي لا تزال تحتفظ بروحها وعبق تاريخها في الأبنية الشاهقة، وهي تقف في قلب المنطقة التاريخية، شهادة على النواة الأولى التي انبثقت منها واحدة من أهم المدن التجارية في تاريخ المملكة والشرق الأوسط. في حارة الشام، وتحديداً في شارع أبو عنبة، يقف معمار أخضر شامخاً بين أبنية المنطقة، على باب المبنى لوحة نُحتت عليها آية قرآنية، وأرّخت اللوحة في العام 1301 للهجرة. ويُسمى هذا المعمار «بيت الرشايدة»، نسبة إلى بانيه محمد عبدالرشيد، ويتكوّن من أدوار عدة، وأوقفه الرشيد علي العثماني في العام 1333هـ، بيت الرشايدة أو البيت الأخضر من أجمل البيوت التراثية وسط جدة القديمة، ويعود عمره إلى أكثر من 150 سنة. وتعود تسمية البيت إلى قبيلة الرشايدة التي ينتمي إليها بانيه وموقفه، وهي من القبائل المهاجرة من الحجاز وإليه. إلا أن ملكية البيت الآن تعود إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودية. ولأن البيت خلال الستينات الميلادية من القرن الماضي، احتضن نشاطاً أكاديمياً، تحول الآن وبفضل أحد فنّاني جدة إلى «أكاديمية حديثة»، بعدما استأجر...