التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولنا في " طيبة " أيام !



في طريقنا إلى المدينة المنورة ، قافلين من مكة المكرمة بعد أداء شعائر العمرة المباركة ، مع مجموعة من أحباب القلب والوقت يقترب من منتصف الليل ، يطوينا شوق كبير إلى ديار المصطفى الحبيب . أغلبنا لم يزر تلك البقاع الطاهرة منذ سنوات ، في طريقنا بدأ البرد يستقبلنا بطريقته الخاصة ، يتسرب بهدوء إلى عظامنا ولكن حرارة الشوق والانتظار تنشر الدفء في أعماقنا . لوحات الطريق تسلينا ونحن نسابق النظر إلى أعداد الكيلوات المتبقية للوصول إلى حيث المدينة المنورة ، عبق التاريخ الذي تشبعنا بأخباره وأنواره يضوع في المكان ، صور الملاحم ومشاهد الحياة النبوية تتقافز في أذهاننا ، نحن في الطريق إلى حيث البدايات الساحرة لتاريخنا ، ذلك البرود الهستيري الذي يعانيه " السعوديون " تجاه البقاع التاريخية يقتل اتصالنا بالتاريخ يبدد إحساسنا المفعم بالانتماء إلى هذا الدين وكل أشيائه الباقية والدارسة .
وصلنا .. وفي البدء كان مسجد قباء يمد مآذنه إلى السماء ، متصلاً بالملكوت الذي بعث بالرسالة والأمانة ، تتهادى إلى مسامعي لحظة بنائه وتنادي الصحابة ونبينا الكريم لاستكماله وتشييده ، شريط الأيام يمرّ متعجلاً إلى هذه اللحظة التي تنتشر المصابيح الوضاءة من حوله والناس تفد إليه منذ آلاف السنين . هل كان يدور في خلد واحد ممن بناه ! أن تلك اللحظة التاريخية التي عاشها ستكون عصية على النسيان ، ستفي له الأرض بكل حبة عرق سالت من أعلاه وانسكبت في الأرض مسجداً شامخاً إلى يوم الناس هذا ؟
نقترب أكثر من مسجد رسول الله ، الليل يزحف باتجاه الفجر ، والصبح يلملم عدته ويجمع خيوط إشراقه لينشر ضياه في أصقاع المدينة ، هدوء عميق يخيّم على المدينة ، أعداد من الناس تمشي في سكينة إلى المسجد ، تستعد لصلاة الفجر ، بعجل اخترنا مكان المبيت ، بقيت ساعات قليلة على الصلاة ، على موعد اللقاء ، على السلام على رسول الله وصاحبيه ، سويعات ونتشرف بالوفود إلى مسجد الرسول وقبره المهيب .
ورفع الأذان ...!
أصوات الخطى إلى المسجد تختلط بحديث المشتاقين إلى الصلاة في مسجد رسول الله ، اختطفتنا لحظة اللقاء ، غاب الذهن في غمرة المشهد السخي بالمشاعر ، طغى الإحساس العميق على سطحية التعبير ، وانخرط القلب في صلاته ، وأطبقت العيون أجفانها لأن النظر يشتت القلب ويبدد اللحظة الغامرة ، اغتسلت الروح من أدران التعلق العبثي ، انسكبت على الذاكرة أيام التاريخ العظيمة التي صنعت المجد ، تصعّدت النفس إلى مراقي السمو وتجلت معاني الحق .
انتهت الصلاة .
على اليمين يتكوم الناس في طوابير الانتظار للسلام على رسول الله وصاحبيه ، سيل من البشر لا تدرك منبعه ولا منتهاه ، وكأن الأرض تلدهم للتو ثم تبعثهم في سلسلة متصلة لا تنقطع إلا بانطواء الأرض وانتهاء الزمان ، يبدو أن الناس تختلف في تقدير معاني هذه الزيارة ومرامي السلام ، فمن طالب للمدد بمعناه الصوفي الحاد ، إلى عامي بسيط متعلق بدينه ، إلى مديني متأنق يزور حقبة تاريخية للفرجة ، إلى سلفي جاف جاء لطلب الأجر وسواهم .
في الروضة وما جاورها حلقات للذكر الجماعي وتلاوة القرآن ، وفي زحمة الناس يند شبان في عمر الزهور يقلبون كتبهم المثقلة للدراسة والحفظ والتحقيق ، إنهم طلبة العلم الشرعي الذين يقضون الساعات هنا للدراسة والمراجعة ، يتنافسون ويتبادلون مهام تصحيح الحفظ ، في زاوية هذا التجمع الدراسي يتمدد شاب ملتحي يضع رأسه على الحائط ويغط في سبات عميق وعلى جانبه يضع كتبه ومذكراته ، يبدو عليه الإجهاد ورهق الدراسة ، لعله يتحين أوقات الفراغ للنوم والاستراحة أو لعله يستلذ بأحلام المجد إلى حين يرتاح الجسد ثم يستأنف رحلته الشاقة لبلوغ المجد والترقي في سلم العلم ، إنها صورة ملهمة حقاً ، كم بين النوم واليقظة من خيوط المجد الرفيعة ؟ كم تعطي واقعك من ساعات يومك ؟ وكم تعطي أحلامك ؟ فكّر جيداً .
على اليسار روضة من رياض الجنة ، يتعاركون عند المدخل ويتدافعون عند المخرج ، العسكر يجاهدون للحفاظ على ما تبقى من النظام ، والناس تؤدي صلاتها في عجل تحت إلحاح المتدفقين وتدافعهم ، دموع الصدق تنسكب ولكنها أبداً ليست من دموع الزيف في شيء ، رجل سوداني يرفع يديه إلى السماء ويتوجه إلى القبر لحظة وإلى القبلة لحظة أخرى في ثنائية تستفز رجل الدين السلفي الذي يسوق الناس من أمام القبر .
خرجنا من عنق الزيارة ، السلام على رسول الله وصاحبيه لحظة تاريخية لا توصف ، وموقف تعبدي لا نتدخل في صرف ثواباته ، عندما تحاذي تلك القبور يبادرك إحساس بالتقصير تجاه نفسك ودينك وأمتك ، شخص واحد بمعيّة أصحابه الصادقين يغير التاريخ ، يمد جسور الإيمان بين الأرض والسماء ، ينقل البشرية من ظلمة العصيان إلى نور الإيمان ، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .
على بعد أمتار تقع مقبرة البقيع ، تحتضن عشرة آلاف قبر لصحابة رسول الله وزوجاته ، أجسادهم أودعت تلك البقعة من الأرض ، وذكرهم يطوف كالرواحل من جيل إلى آخر ومن عصر إلى ما يليه ، عندما تشرف على قبورهم ، يغرقك شعور بالفخر يخالطه شعور بالعظمة والكبرياء وقليل من مشاعر مجهولة غير مفهومة ، يبدو أنه صورة من تخاطر الأرواح ، شيء منك يسكن هذه الأرض ، شعور أصيل بالانتماء إلى تربة هذا المكان ، تاريخك ودينك وهويتك تراها مجلوة في كل ذرة من هذا الثرى البقيعي الشريف . مهابة الموت تجثم على أطراف المكان ، إنهم صحابة رسول الله ، بناة المجد ، وأصحاب السبق والمغفور لهم ، لم يستثنيهم الموت ولم تتأخر ساعتهم أو تتقدم ، هذا المكان نهاية كل حيّ ، ولكن النهايات لا تتشابه عادة . إنهم عظماء درجوا على الأرض ، حياتهم لم تكن عادية ، كم تحتاج من التفكير الجاد والعمل الدؤوب لتصبح نهايتك مشرفة ، حياتك تحدد مؤشر نهايتك ، جسدك تنتهي ساعته عند هذه الحفرة الضيقة ، لكن تاريخك يقف على مشوار حياتك العريض ، فكّر جيداً !
مجاميع من الشيعة الإيرانيين ينتشرون بصورة ملفتة في المقبرة ، ملابسهم الإفرنجية وشيخهم المعمم يتقدمهم ويوردهم المقابر والآثار التي تواتر لديهم أصحابها ورجح عندهم طرف من الظن بمعرفتها ، في المقابل يتحفز رجال الضبط الديني " الهيئة " لملاقاتهم ومناقشتهم ، كثيراً ما يتكرر مشهد المجادلة العقيم في أنحاء المقبرة ، لكل معمم أو " مشمغ " جمهوره الذي يناصره ويشايعه في صورة قطيعية مؤسفة . تبدو المباراة الجدلية هنا سلمية كتعبير حضاري ولكنها عبثية في النهاية .
على طرف قبر بارز يشاع عن كونه قبر للجليل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أخذ الشيخ المناوب هناك على تفنيد هذه الشائعة وتكذيبها ، أدلى بحججه علينا وما كاد يختتم كلامه حتى جذبنا شاب ثلاثيني يتحدث بلهجة حضرمية واضحة ولغة شرعية وعلمية ظاهرة ، وأخذ يسهب في نقد المشايخ الرسميين الذين ينتشرون في المقبرة وأنهم يتعمدون إخفاء معالم قبور الصحابة وأصحابها ، ولما عرضت بين يديه مخاوفهم السلفية التقليدية ساق ردوده المعتادة ، ثم اعتذر لنا عن الجرأة لمحادثتنا لولا ارتياحه للكلام معنا .
في طريقنا للخروج ، استوققني منظر رجل منحني الظهر والشيب يعلو ذقنه وحاجبيه والتجاعيد القاسية تتمدد في وجهه النحيل ، يرمق القبور بهلع ظاهر ، لونه مخطوف وملامحه مشدوده ، لعله يعرف جيداً أن ما تبقى من عمره ليس بأكثر مما ذهب ، وهو أقرب لهذا المكان من سواه ، وأجله يدنو إليه مهرولاً ، جلس الرجل على رصيف المقبرة ، تركه مرافقه لبرهة ، تركه نهباً لهذه اللحظة المروعة ، يبدو أنه يزن سنواته التي قضاها على ظهر الأرض ، يرجح بين العذاب والعفو ، بين العبور إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو المكوث في قعر جهنم ، يكتوي الرجل بهذه اللحظة ، يتلوى من قلة الحيلة وفوات الوقت ، ماذا لو أنه عاش هذه اللحظة أيام شبابه ؟ ربما تتغير كثير من الأشياء وتنقلب حياته رأساً على عقب .
في مدينة رسول الله ، التدين له تفسير جغرافي ، بمعنى أن الثقافة الاجتماعية الغالبة والحالة الاقتصادية والمستوى السياسي يطبع آثاره على شكل التدين في حديته وانبساطه ، في انحرافه وانتصافه ، في رحابته وضيقه ، الباكستانيون والأتراك بإيمانهم الطاغي وتدينهم العميق ينجرفون في تعبدهم وتعلقهم ، الإيرانيون بتشيعهم السياسي يزاحمون سواهم ويغلظون في إظهار معتقداتهم ، والسعوديون يخضعون للرأي الديني الذي اختارته الدولة ، والهنود والسودانيون تغلب عليهم الرقة في تعبدهم وتصوفهم .
في طريق خروجنا تصادفك البسطات العفوية التي تنتشر في باحة المسجد النبوي ، باعة متجولون ، يلفت نظرنا طفلة في السابعة من عمرها فيما يظهر تناغي لعبتها البلاستيكية وتنتظر زبائنها لتبيعهم خردواتها المتواضعة ، عندما تتفحص عينيها تخاطبك بألم ، تهجو زمانها وحظها العاثر ، تؤنبك لأنك تمر بكل بساطة وأنت تتجاهل هذه الصورة الخاطئة في ترتيب البشرية ، تتداعى إلى مسامعك وصايا النبي الرؤوم للعناية بهذه الأرواح الغضة الطرية ، تشعر بالذنب لأنك لا تملك أن تغير شيئاً في هذه الحالة ، ثم تغيب في زحمة المارة .
جمعنا أمرنا لزيارة ما تبقى من معالم وآثار ومساجد المدينة المنورة الزاخرة ، أغزر ما يلفت نظرك أعداد الكاميرات والفلاشات والصور التي تلتقط في هذه الأمكنة والبقاع ، حتى أن رجلاً أبلهاً جلس فوق قبر في البقيع لالتقاط صورة تذكارية ، نهره رجل باكستاني ضخم وكاد ينهال عليه ضرباً لولا لطف الله وعنايته . استقالت الذاكرة البشرية عن وصف المواقف واللحظات وقامت الكاميرات مقامها ، تراجع التعبير الإنساني والوصف اللساني لتجسيد اللحظات الآسرة عند العودة واكتفى الإنسان بتعبير الصورة وكفاءتها ، الآلة تزاحم الإنسان بجنون في يومياته ، كم يترك هذا التصرف من عاقبة سيئة للإنسان ولتاريخه ومستقبله ووجوده على هذا الكون ، هل سيندم كثيراً عندما يعطل أدواته الطبيعية ويمنحها إجازة طويلة بدون عمل ويسرف في استخدام الآلات والأجهزة التعويضية الصناعية . المستقبل يحمل نذر شؤم لهذا الكون ولصاحبه الإنسان .. والله المستعان !

صور :








تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...

تمجيد صدام حسين المجيد

كان يمكن للقصة الشهيرة التي تداولها عامة العرب عن صورة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مطبوعة في كبد القمر أن تكون مجرد مزحة عابرة تذوب مثل قطعة ثلج أو تتبخر مثل بؤرة ماء، ولكن القصة المختلقة التي شاعت عشية تنفيذ حكم الإعدام في حقه من قبل الحكومة العراقية بعد إسقاط نظامه وتفكيك الدولة العراقية نتيجة حرب خاضها حلف دولي تقوده الولايات المتحدة، تمكنت في أذهان جيل بأكمله وتطورت إلى أشكال متجذرة لترميز الرئيس العراقي المخلوع. أصبح صدام ذا شعبية أكبر لدى قطاعات واسعة من الشباب العربي، فبإمكانك أن تلاحظ حجم الصور التي تنتشر له والأقوال المختلقة في محاولة لاستنطاقه بما يتمناه الشاب العربي من خطاب مشبع بالأنفة والاعتزاز ضد غطرسة الجانب الغربي من العالم أو الطائفة الشقيقة للغالبية السنية في الشرق الأوسط. لا تبدو سيرة صدام حسين مثيرة للإعجاب في التاريخ، فهو مجرد حاكم عربي عسكري يشبه أترابه ممن يقبض على سدة حكم الجمهوريات العربية المرتبكة في تقديم هوية سياسية ونظام حكم متماسك، يضاف إليه بطش أهوج وديكتاتورية مطبوعة بنزقه الشخصي وجنون العظمة الذي أودى بمستقبل العراق وشعبه في جملة من المغا...