التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السعودية وجدية تنويع خياراتها العسكرية

السعودية مهتمة بتنويع سلة تحالفاتها في الشأن العسكري والتسليحي بعيدا عن حسابات الحلفاء وترددهم في وقت لا تنفع معه المماطلة.

الأحد 2019/06/09


تأخذ السعودية مسألة تطوير قدراتها العسكرية على محمل الجد، وذلك استجابة لتحديات المرحلة الجديدة، وكونها تشكل واجهة الإقليم العربي بعد انسحاب وتواضع حضور عواصمه التقليدية بما ضاعف من أعباء المسؤولية عليها، فضلا عمّا تقتضيه مكانتها السياسية والدينية في منطقة مضطربة تتهافت عليها القوى الإقليمية والدولية دون اعتبار أو مراعاة لمصالح ومخاوف وهواجس أبناء المنطقة نفسها.
تلعب السعودية دورا دبلوماسيا شديد الفعالية. وتملك حضورا اقتصاديا أهّلها للجلوس مع الاقتصادات العشرين الكبرى في العالم. وتتمتّع بمكانة وجدانية أثيرة لدى ربع سكان الكرة الأرضية بفضل خدمتها للمواقع والبرامج والمراكز الإسلامية.
لكنها كانت في الجانب العسكري وترسانتها التسليحية تعتمد على عون حلفائها وما تؤمنه علاقاتها من دعم لوجستي. وأصبحت بمرور الوقت رهينة حسابات هؤلاء الحلفاء وابتزازهم ومعادلاتهم التي تنتصر لمصالحهم الضيّقة وحروبهم الداخلية وموازناتهم المحلية وليس ما تتطلبه الحاجات السعودية.
في الأسبوع الماضي على سبيل المثال، طرح أعضاء من الحزبين في مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قرار لمعارضة جميع صفقات الأسلحة التي وافقت الإدارة الأميركية عليها للسعودية والإمارات والأردن بقيمة 8 مليارات دولار بعد أن استخدمت الإدارة قانون الطوارئ لتمرير الصفقات دون مواجهة من الكونغرس.
لكن، وفي إطار ما تنعم به السعودية اليوم من تحولات عميقة في بنيتها العملية وحساباتها الداخلية، وتطور مستوى التحديات التي تحدق بالمنطقة، وأعراض الانسحاب التي طرأت على المجتمع الدولي وقواه المركزية للتأثير في المجريات، أخذت السعودية في حسبانها تطوير قدراتها العسكرية وتوطين الصناعات الحربية وبناء تكتلات وتحالفات من نوع وثيق وجديد على أساس التحديات التي تحيط بها.
كان ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان الذي يشغل أيضا منصب وزير الدفاع، طرح في مقابلته مع قناة “العربية”، سؤالا جوهريا حين قال “هل يعقل أن تكون السعودية في 2014 رابع أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري، وليس لدينا صناعة عسكرية داخل السعودية؟”.
حقق هذا الاهتمام تقدما متسارعا سجلته السعودية في تصنيفات القوى العسكرية كنتيجة أولية لتوجهاتها الجديدة واستراتيجيتها التي تقوم على الاعتماد على النفس، ووضع سلسلة من الخطوط الحمراء والمحاذير الجديدة التي لا يمكن المساس بها.
تؤسس هذه الاستراتيجية للتعاطي مع تجاوزات الجيران ممن راهنوا على تحفّظ السعودية وبطء ردودها. تبدّل المزاج الراهن في الرياض ورفع من جهوزيته للتعاطي مع كل التحديات مستقبلا، مبادرا ومسؤولا بغض النظر عن مواءمات الفاعلين الدوليين ممن لا يفهمون مخاوف المنطقة ولا هواجس قاطنيها.
ليست مسألة توطين الصناعات العسكرية وحدها القرار الثمين الذي اتخذته السعودية في نهجها الجديد، لكنها عملت أيضا على اتخاذ قرارات استراتيجية، كانت تتحفظ بشأنها في أوقات سابقة، فقد استلزمت الظروف الطارئة قدرا كبيرا من الجسارة والجرأة التي لا تنقص الرياض لاتخاذها.
ربما أصبحت السعودية “قاب قوسين أو أدنى من مفاعل نووي”، وهو عنوان لمجلة ألمانية قالت إنه في الوقت الذي يلغي فيه ترامب الاتفاق النووي مع‫ إيران من جانب واحد، فإن وزارة الطاقة الأميركية أصدرت سبعة تصاريح لنقل معلومات حساسة حول الطاقة النووية للسعودية دون إلزامها بأعمال تفتيش. وقبل أيام فقط، رخّصت وزارة الطاقة الأميركية لشركتين أميركيتين إضافيتين للقيام بتعاون في المجال النووي مع‫ السعودية.
تخطط الرياض لبناء 16 مفاعلا للطاقة النووية على مدى 20 إلى 25 سنة القادمة. وزار الأمير محمد بن سلمان خلال جولته الآسيوية نهاية العام الماضي ثلاث محطات ذات اقتصادات عملاقة (باكستان، الهند والصين) وهي قوى نووية كذلك.
ولأن السعودية مهتمة بتنويع سلة تحالفاتها في الشأن العسكري والتسليحي بعيدا عن حسابات الحلفاء وترددهم في وقت لا تنفع معه المماطلة، فقد لوّحت بتنفيذ صفقة الـ”أس- 400” مع روسيا. وطوّرت برنامجا للصواريخ الباليستية بالتعاون مع الصين حسب ما كشفت محطة سي.أن.أن الأميركية، وربما وصلت فيه إلى مرحلة متقدمة من تطوير البنية التحتية لإنتاج الصواريخ والتقنية الخاصة بها.
هذا لا يعني القطيعة مع الحلفاء التقليديين، إذ وافق ترامب على نقل وصناعة أجزاء قنابل عالية الدقة داخل ‫السعودية ضمن خطط توطين صناعة الأسلحة التي بدأتها المملكة سابقا، لكنه من باب التنويع والاتصال بالخيارات المختلفة لضمان الحفاظ على تفوق السعودية الدائم واستعدادها لكل الاحتمالات بما يحفظ للمنطقة شروط استقرارها.


الرابط :

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فقيه القنفذة... قصة وفاء المكان وانتماء الإنسان

عندما تنوي الذهاب إلى حضور مناسبة ثقافية في الكلية الجامعية لمحافظة القنفذة، ستكون حتماً في قاعة الاحتفالات بالكلية التي تحمل اسم «الشيخ حسن الفقيه رحمه الله»، الأمر نفسه لو اخترت حضور اجتماع تعليمي في قاعة الاجتماعات بإدارة تعليم القنفذة، ستجدها هي الأخرى تحمل اسم «الشيخ حسن الفقيه رحمه الله». يبدو وكأن في الأمر سراً، بالتأكيد ليس هو من قبيل المجاملة المتواطئة أو «الواسطة»، وليس لأن القنفذة لا تملك أحداً يضاهي الفقيه في الأحقية، ولكنه تخليد لسيرة أدبية زاخرة وجهوده مبذولة بتضحية وتفان قام بها الشيخ حسن لخدمة الثقافة والتاريخ في المحافظة. يعتبر الفقيد الشيخ حسن بن إبراهيم الفقيه رائد التعليم في محافظة القنفذة - جنوب مكة المكرمة - حيث تزيد خدمته على ٤٤ عاماً، وأسس معظم مدارس المحافظة، إذ فوضته وزارة التربية والتعليم (المعارف سابقاً) باختيار مواقع المدارس وفتحها إبان فترة تأسيس التعليم النظامي. بدأ الفقيه حياته معلماً ثم مفتشاً إدارياً، ثم كلف بإدارة التعليم فعميد لكلية المعلمين منذ تأسيسها ولمدة ١٣ عاماً، وكلف بالعمل عضواً في مجالس متعددة ولجان في إمارة منطقة مكة المكرمة ومحا...

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...