التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العصفورة تدمي مقلة الديناصور!




  • عمر علي البدوي
«الشباب هم قوام المجتمعات» هذه مقولة شهيرة ودرجت على لسان كل مثقف وعامي، ولكنها حقيقية رغم استهلاكها وصائبة رغم إنهاكها بكثرة الاستخدام، ولأن الشباب يشكلون نسبة عالية من المجتمعات العربية فإن ثقافتهم ولغتهم ومستوى تفكيرهم بكل ما فيه من مرونة وانفتاح وتخفف من أثقال الماضي تصبغ شبكات التواصل وتقنياته الحديثة.
لقد وجد الشباب طريقهم أخيراً، أولئك الجاثمون على صدور الصحف المحلية مثل (البُراك) الذي يزعج العزاب ويجثم على صدورهم في منتصف الليل، إنهم ديناصورات معطلة عن القذف بالنار، تشتغل بقذف كلام مكرور وسامج.
انتصر الإعلام الجديد للشباب، وقدم البديل الذي ينافسون به كبريات منافذ الإعلام التقليدي، لقد أصبحوا ينافسون أساطين الثقافة والفكر والمعرفة على طاولة إضاءات ومع تركي الدخيل نفسه الذي اجتمع بالجابري وأركون والعودة وأبو يعرب المرزوقي، اليوم يلتقي بعمر حسين نجم على الطاير، ومالك نجر مبدع رسومات مسامير، وعبدالعزيز الشعلان أحد رموز تويتر من الشباب.
كل شيء يتغيّر!..
الأرقام التي تسجلها برامج الإعلام الجديد مذهلة للمتابع، ومخيفة لثلة ممن يتحسس إرثه الإعلامي الذي بدأ يترنح تحت سطوة الشباب، وتكفي دقائق معدودة ليصعد مؤشر المشاهدات أو تدوير التغريدات إلى مستوى لم تسجله الصحف اليومية في تاريخها الممتد ولم يحلم به رئيس تحرير واحد.
حاولت بعض الصحف أن تتدارك الموقف، وتحجز لها مقعداً في هذا المركب الفضائي الخاطف ولكنها أخفقت في فهم شروط اللغة الجديدة، وانتقلت بكل أساليبها التقليدية حتى نشرت الغبار في أطراف المدينة التويترية.
نسيت هذه المؤسسات التقليدية بفعل ركام التجارب البالية في مسيرتها الشروط الجديدة للإعلام في حريته التي لم تعد ترضى بلغة التورية والتحايل، وشرط احترام عقول الجمهور بكشف الحقائق كاملة دون مواربة أو محاباة.
الشباب طار! وظّف جناحي طائر أزرق ليحلق في فضاءات واسعة كان محروماً منها بعلّة ضعف أهليته وإمكاناته، لقد أثبت الشباب جدارته بالثقة، وأن لديه ما يبذله لوطنه.
لا شيء يعدل مشاركة العامي البسيط في الهم العام وشؤون الوطن، هذا أكثر ما يغري الشباب للانضمام في مواكب المغردين، بعد سنوات من الاستبعاد والتجاهل تسنّم الشاب البسيط مواقع الصدارة والتأثير.
غاية ما بذله الإعلام التقليدي هو تحويل المواطن العادي إلى صحفي يتدخل في دعمهم بمادة صحفية يقضمها الديناصور حتى لا تكاد تذكر، وفي الإعلام الجديد تجاوز هذا إلى صناعة الوعي وتشكيل رأي عام مستقل وأسهم في نقد تابوهات كانت محرمة بفعل التقاليد، تجاوز كل هذه المثاليات إلى الإسهام الإنساني العبقري في كارثة جدة عندما تحولت أروقة تويتر إلى غرفة عمليات متكاملة مع مهام المرور والإسعاف والإغاثة والتموين.
إن الشباب الذي كنس شوارع مصر، هو نفسه الشباب الذي انتظم في فرق تطوع لإغاثة منكوبي جدة، هو ذاته الشباب الذي قام بعمل بطولي أثناء انفجار ناقلة البترول وسط الرياض يسعفون ويتبرعون بالدم ويسهمون بكل ما جادت به حميتهم الوطنية النفيسة، هو نفسه الشباب الذي قام بمبادرات فذة لحفظ النعمة ونقد الظواهر السلبية وكشف عن مستوى ثقافي مميز.
هو نفسه الشباب الذي يشكل غالبية مستخدمي تويتر! أبداً لم ينتظر شكراً من أحد ولا يرقب توجيهاً من مخلوق، يستفتي قلبه ويستند إلى حجم رغبته في خدمة وطنه، ويعتد بكل انتماءاته الدينية والوطنية والثقافية العميقة، لقد أنتج مفهوماً جديداً للوطنية والفاعلية والإعلام.
كان معلم الرياضيات في مدرسة ثانوية كثيراً ما يضايق أحد طلابه، يسخر منه على مشهد من زملائه، ويستهزئ بقدراته العقلية وقلّ ما يشجعه أو يذكره في خير.
بعد سنوات طويلة من تخرج هذا الطالب بصعوبة من المرحلة الثانوية، كان يهمّ المعلم بتجاوز نقطة تفتيش أمنية لولا تصنع أحد رجال الأمن الاشتباه في هذا المعلم، استوقفه الشرطي وتكلف أقصى ما يمكن من المضايقة والإحراج، بصعوبة تجاوز المعلم النقطة الأمنية وتلقى تحذيراً بعدم العودة مجدداً قبل إتمام شروط ذلك.
استشفى العسكري الطالب، ووصلت الرسالة إلى المعلم الديناصور.
الرابط : 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فقيه القنفذة... قصة وفاء المكان وانتماء الإنسان

عندما تنوي الذهاب إلى حضور مناسبة ثقافية في الكلية الجامعية لمحافظة القنفذة، ستكون حتماً في قاعة الاحتفالات بالكلية التي تحمل اسم «الشيخ حسن الفقيه رحمه الله»، الأمر نفسه لو اخترت حضور اجتماع تعليمي في قاعة الاجتماعات بإدارة تعليم القنفذة، ستجدها هي الأخرى تحمل اسم «الشيخ حسن الفقيه رحمه الله». يبدو وكأن في الأمر سراً، بالتأكيد ليس هو من قبيل المجاملة المتواطئة أو «الواسطة»، وليس لأن القنفذة لا تملك أحداً يضاهي الفقيه في الأحقية، ولكنه تخليد لسيرة أدبية زاخرة وجهوده مبذولة بتضحية وتفان قام بها الشيخ حسن لخدمة الثقافة والتاريخ في المحافظة. يعتبر الفقيد الشيخ حسن بن إبراهيم الفقيه رائد التعليم في محافظة القنفذة - جنوب مكة المكرمة - حيث تزيد خدمته على ٤٤ عاماً، وأسس معظم مدارس المحافظة، إذ فوضته وزارة التربية والتعليم (المعارف سابقاً) باختيار مواقع المدارس وفتحها إبان فترة تأسيس التعليم النظامي. بدأ الفقيه حياته معلماً ثم مفتشاً إدارياً، ثم كلف بإدارة التعليم فعميد لكلية المعلمين منذ تأسيسها ولمدة ١٣ عاماً، وكلف بالعمل عضواً في مجالس متعددة ولجان في إمارة منطقة مكة المكرمة ومحا...

ماذا يخطر في بالك ؟ ( 2 )

هنا أنقل بعضاً من منشوراتي على صفحتي في ( الفيس بوك ) . راجياً لكم النفع والفائدة . اضطر كل واحد أن يصطفي " حبيباً " له لأن الناس لم يعد يسعها أن تبذل الوفاء بالمجان . ................ ما نفع الابتسامة إذا اختار الهم أن يقيم في قلبك فلا يرحل ؟! ............ الصمت والتأمل والتفكير هي عبادة العقل ، والتقليد هو معصيته الكبرى وقد تخرجه من ملة الحقيقة . …… لا يوجد فراغ .. هناك خطأ في ترتيب الوقت . ............. الكلمة الصادقة لا تستوفيها الحروف ، والفكرة الناضجة لا تصفها الكلمات ولا بد أن تبقى جذوة من الحرارة وقبس من الفكرة في نفس الكاتب . إنما تستكملها القلوب الحية والعقول الناضجة إذا تلقتها واستوعبتها . ............. أنا لا أعيش الحياة دفعة واحدة ولا بطريق أوحد ، لدي حياة فكرية وعاطفية وأخرى ( طبيعية ) أو عادية وهي ما يعرفني عبرها من يعايشني ويجالسني ويؤانسني . ........... فراغ المثقف هو غياب المشاريع ، وفراغ الرجل العادي هو الوقت الذي لا يعرف كيف يقضيه ! ....... اليوم اختلفنا بحدة لأول مرة في تاريخ علاقتنا الجديدة ، لقد شعرت أنها في طريق النضوج والمتان...

انحسار الشافعية من جنوب السعودية : ماذا خسرت ” القنفذة ” بجفاف طبيعتها الدينية ؟

البندر | عمر البدوي - القنفذة استقر في ذهني أن المذاهب التي تشق طريقها في جسد كل دين هي بمثابة عمليات التسوية بين أوامر الشريعة وحاجات الإنسان ، بين المبادئ والمصالح ، بين الدين والدنيا ، بين الحق والهوى ، بين عزائم الدين وظروف البيئة ، وهذا يعطي الأديان فرصة العيش بانسجام واحترام مع البشرية ، كما أنه يعطيها القدرة على البقاء والصلاح لكل زمان ومكان . إذ تختلف طبائع البشر حسب جذورهم العرقية وظروفهم البيئية وتوافر الشروط المادية ، ولأن الأديان لا تصادم مصالح البشر ، فإن المذاهب تقدم جهداً في سبيل إعادة صياغة المقدس مع الواقع ، وتفسير النص على ضوء المصالح . كما أن الاختلاف وارد في سنن الكون وطبيعة البشر وتركيبة الدنيا ونسيج الحياة ، وهذا ما يفرز مذاهب متعددة تنتمي لها الطوائف عن قناعة ورضا وينبت على هوامشها التعصب لدوافع الانتماء العميق والاحتماء بالكيانات المختلفة التي تمنحهم الشعور بوجودهم وتميزهم وتمنحهم هوية البقاء والحياة . وكل من يصادم الطبيعة المودعة في مكنون الدنيا لأغراض سياسية أو اقتصادية أو حتى دينية متخيلة ، فإنه لابد سيقع في قبضة المغامرة غير المحسوبة وس...